تُعدّ الشبهات التي تثيرها بعض الفرق الضالة حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من أخطر أبواب التشويش على العقيدة، خاصة إذا تعلقت بمقامه الشريف أو بحاله في مرضه ووفاته.
ومن أبرز هذه الشبهات:
ما يُثار حول قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع"، حيث يحاول بعض المنتسبين إلى التشيع الطعن في هذا القول، وتصويره على أنه انتقاص من مقام النبي صلى الله عليه وسلم.
غير أن هذا الاعتراض لا يقوم على أساس علمي صحيح، بل هو مبني على سوء فهم للنصوص، وتجاهل لما ثبت في أصح كتب السنة من أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يمرض كما يمرض سائر الناس، بل ويشتد عليه المرض ليعظم أجره وترتفع درجته. كما أن هذا الطعن يتهاوى تمامًا عند الرجوع إلى كتب الإمامية أنفسهم، حيث أثبتوا فيها وقوع الإغماء للنبي صلى الله عليه وسلم، بل ونسبوا إليه ما هو أشد من ذلك.
وفي هذا المقال، سنعرض الرد العلمي المفصل على هذه الشبهة، مع بيان تناقض الروايات الإمامية، وإظهار الحق بدليله، بعيدًا عن التهويل أو التدليس.
شبهة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد غلب عليه الوجع
واما اعتراض الرافضة على قول عمر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد غلب عليه الوجع)، فهو اعتراض مردود وضعيف، وذلك لان النبي صلى الله عليه واله وسلم يمرض كما يمرض البشر.
كما ثبت في الصحيحين: " 5647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قُلْتُ: أن ذَاكَ بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إلا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ» "
صحيح البخاري - بَابُ شِدَّةِ المَرَضِ – ج 7 ص 115، وصحيح مسلم - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – ج 4 ص 1990
فالنبي صلى الله عليه واله وسلم يغلب عليه الوجع كما يغلب على غيره، ولو كان في قول عمر رضي الله عنه اي محذور لبين النبي صلى الله عليه واله وسلم ذلك، فمن المستحيل أن يسكت النبي صلى الله عليه واله وسلم على اي مخالفة شرعية تصدر من أحد في حضوره، او في غيابه مع علمه به، وبما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يقل أن قول عمر رضي الله عنه فيه مخالفة شرعية فلا يحق لاي أحد أن يزايد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل أن قول عمر رضي الله عنه يدل على محبته لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وحرصه على الترفيه عليه صلى الله عليه واله وسلم، قال الإمام البيهقي: " وإنما قصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما قال التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم شيئا مفروضا، لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول الله عز وجل بلغ ما أنزل إليك من ربك كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه "
دلائل النبوة - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي – ج 8 ص 273
وقد ورد في كتب الإمامية مرض النبي صلى الله عليه واله وسلم، واغماءه.
ففي تفسير العياشي:
" 82 - عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن آبائه قال: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه وقد أغمي عليه ورأسه في حجر جبرئيل وجبرئيل في صورة دحية الكلبي، فلما دخل علي عليه السلام قال له جبرئيل: دونك رأس ابن عمك فأنت أحق به منى، لان الله يقول في كتابه: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فجلس علي عليه السلام وأخذ رأس رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره، فلم يزل رأس رسول الله في حجره حتى غابت الشمس، وان رسول الله أفاق فرفع رأسه فنظر إلى علي فقال: يا علي أين جبرئيل؟ فقال: يا رسول الله ما رأيت إلا دحية الكلبي دفع إلى رأسك قال: يا علي دونك رأس ابن عمك فأنت أحق به منى، لان الله يقول في كتابه: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فجلست وأخذت رأسك فلم تزل في حجري حتى غابت الشمس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أصليت العصر؟ فقال لا قال: فما منعك أن تصلى؟ فقال: قد أغمي عليك وكان رأسك في حجري، فكرهت أن أشق عليك يا رسول الله، وكرهت أن أقوم واصلي أوضع رأسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم أن كان في طاعتك وطاعة رسولك حتى فاتته صلاة العصر، اللهم فرد عليه الشمس حتى يصلى العصر في وقتها، قال: فطلعت الشمس فصارت في وقت العصر بيضاء نقية، ونظر إليها أهل المدينة وان عليا قام وصلى فلما انصرف غابت الشمس وصلوا المغرب "
تفسير العياشي - محمد بن مسعود العياشي - ج 2 ص 70 – 71
ومنزلة تفسير العياشي كبيرة كما قال السيد محمد حسين الطباطبائي مؤلف كتاب الميزان في تفسير القران: " وان أحسن ما ورثناه من ذلك كتاب التفسير المنسوب إلى شيخنا العياشي رحمه الله وهو الكتاب القيم الذي يقدمه النشر اليوم إلى القراء الكرام. فهو لعمري أحسن كتاب ألف قديما في بابه، وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور. اما الكتاب فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ الف إلى يومنا هذا - ويقرب من أحد عشر قرنا - بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف. واما مؤلفه فهو الشيخ الجليل أبو النصر محمد بن المسعود بن محمد بن العياش التميمي الكوفي السمرقندي من أعيان علماء الشيعة، وأساطين الحديث والتفسير بالرواية ممن عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية. أجمع كل من جاء بعده من أهل العلم على جلالة قدرة وعلو منزلته وسعة فضله، وأطراه علماء الرجال متسالمين على إنه ثقة عين صدوق في حديثه من مشايخ الرواية يروي عنه أعيان المحدثين كشيخنا الكشي صاحب الرجال وهو من تلامذته، وشيخنا جعفر بن محمد بن المسعود العياشي وهو ولده "
تفسير العياشي - محمد بن مسعود العياشي - ج 1 - ص مقدمة المحقق 4
في رواية العياشي اثبات اغماء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكذلك ورد اغماء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند المفيد في اماليه.
حيث قال: " 2 - قال: أخبرني أبو نصر محمد بن الحسين المقري قال: حدثنا عبد الكريم بن محمد البجلي قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا زيد بن المعدل، عن أبان بن عثمان الأجلح، عن زيد بن على بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفى فيه رأسه في حجر أم الفضل وأغمي عليه....."
الأمالي - المفيد - ص 212
وقال في الارشاد:
" ثم ثقل عليه السلام وحضره الموت وأمير المؤمنين عليه السلام حاضر عنده. فلما قرب خروج نفسه قال له: (ضع رأسي يا علي في حجرك، فقد جاء أمر الله عز وجل فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله تعالى) فأخذ علي عليه السلام رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، فأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل) ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وقال بصوت ضئيل: (يا بنية، هذا قول عمك أبي طالب.. "
الإرشاد - المفيد - ج 1 - ص 186 – 187
وقال الطوسي:
" 1186 – 12 - وعنه، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثني محمد ابن جعفر بن محمد بن رياح الأشجعي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الرؤاسي الخثعمي، قال: حدثني عدي بن زيد الهجري، عن أبي خالد الواسطي، قال إبراهيم بن محمد: ولقيت أبا خالد عمرو بن خالد فحدثني عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه، فكان رأسه في حجري والعباس يذب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأغمي عليه إغماءة ثم فتح عينيه، فقال: يا عباس يا عم رسول الله "
الأمالي - الطوسي - ص 572
بل جاء في امالي الصدوق أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد وصل في مرض موته إلى حالة لا يعرف فيها الحسن والحسين رضي الله عنهما، قال الصدوق: "1004 / 6 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد ابن حمدان الصيدلاني، قال: حدثنا محمد بن مسلمة الواسطي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن ابن عباس، قال: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه..............
قالت فاطمة (عليها السلام) للرسول صلى الله عليه وآله: فأين والدتي خديجة؟ قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة. ثم أغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل بلال وهو يقول: الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى بالناس، وخفف الصلاة. ثم قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فجاءا فوضع (صلى الله عليه وآله) يده على عاتق علي (عليه السلام)، والأخرى على أسامة، ثم قال: انطلقا بي إلى فاطمة. فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين (عليهما السلام) يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذان يا علي؟ قال: هذان ابناك الحسن والحسين. فعانقهما وقبلهما، وكان الحسن (عليه السلام) أشد بكاء، فقال له: كف يا حسن، فقد شققت على رسول الله "
الأمالي - الصدوق - ص732 – 735
وقد جاء في كتب الإمامية اغماء الإمام زين العابدين رحمه الله، قال الكليني:" مُحَمَّدُ بْنُ أحمد عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بِنْتِ إِلْيَاسَ عَنْ أبي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أن عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ وقَرَأَ إذا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ وقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ثُمَّ قُبِضَ مِنْ سَاعَتِهِ ولَمْ يَقُلْ شَيْئاً "
الكافي – الكليني – ج 1 ص 468، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 6 ص 11
وكذلك اغماء الإمام الصادق رحمه الله، ففي كتاب من لا يحضره الفقيه: " 5551 - وروى محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سلمى مولاة ولد أبى عبد الله (عليه السلام) قالت: " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) حين حضرته الوفاة فأغمي عليه فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين - وهو إلا فطس - سبعين دينارا "
من لا يحضره الفقيه - الصدوق - ج 4 ص 231 – 232
قال محمد تقي المجلسي عن الرواية:
" «و روى محمد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد» في الموثق كالشيخين وروى الكليني في القوي كالصحيح أيضًا عن هشام بن أحمر جميعا «عن سلمى مولاة ولد أبي عبد الله عليه السلام» كما في يب أيضًا وفي (في) عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام «قال أعطوا الحسن بن علي بن الحسين عليهما السلام» "
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه- محمد تقي المجلسي - ج 11 ص 137
وقال الإمامية في كتبهم في حكم المغمى عليه، بإنه زوال للعقل، قال اليزدي:
" (في موجبات الوضوء ونواقضه) وهي أمور..........الخامس: كل ما أزال العقل مثل الإغماء والسكر والجنون دون مثل البهت "
العروة الوثقى - اليزدي - ج 1 - ص 346 – 347
وقال الحلي:
" البحث الثالث: في وقت المعذورين. ونعني بالعذر ما أسقط القضاء، وبوقت المعذورين الوقت الذي يصير فيه الشخص من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال الأسباب المانعة من الوجوب، وهي أربعة: الجنون، وفي معناه الإغماء، والصبي، والكفر، والحيض، وفي معناه النفاس..."
تذكرة الفقهاء - الحلي - ج 2 ص 320 – 321
وقد ورد عند الإمامية بأن المغمى عليه لا يقضي الصلاة، قال الخوانساري:
" وأما عدم وجوب القضاء على المغمى عليه فهو المشهور، ويدل عليه صحيح أيوب بن نوح قال: (كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة) وصحيح علي بن مهزيار (سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة "
جامع المدارك - الخوانساري - ج 2 ص 210
لماذا قال المعصوم عن المغمى عليه لا يقضي الصلاة ولا الصوم؟، هل الحقه بالمجنون أم بالصبي أم بماذا؟
فالإغماء عند الإمامية هو زوال العقل وقد اثبتوه لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ولبعض ائمة أهل البيت رحمهم الله فهل يقبل الإمامية أن نقول عنهم إنهم طعنوا برسول الله صلى الله عليه واله وسلم والائمة رضوان الله عليهم؟!!!.