يتناول هذا المقال إحدى الروايات التي ذُكرت في كتب بعض الفرق الضالة، والتي تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صافح امرأة أو سفل يده على صدرها. الرواية تدور حول امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه مسح وجهها ثم أن يسفل يده، وما جاء في الكتب عن حنظلة السدوسي، الذي روى هذه الأحاديث، إلا ضعيف من طبقة السابعة (أتباع التابعين)، كما ذكر الحافظ ابن حجر، والبخاري، وابن الجوزي، والنَّسائي.

ويهدف المقال إلى بيان ضعف هذه الروايات، وتوضيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح امرأة قط، وأن الروايات الصحيحة من الصحيحين تؤكد هذا، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "لا والله ما مسّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط".

هذا المقال يقدم توثيقًا دقيقًا للأحاديث المروية، ويفند الغلو والتأويلات الباطلة التي تتبعها الفرق الضالة لتشويه صورة السنة الصحيحة، ويعيد تأكيد الأدلة الشرعية الموثوقة على سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع النساء.

سفل يدك:

قال الحافظ ابن حجر:

" 3838 - قَالَ أبو بَكْرٍ: حدثنا عَفَّانُ، ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثنا حَنْظَلَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: أن أمرأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ امْسَحْ وَجْهِي، وادع الله عز وجل لِي، قَالَ: فَمَسَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهَا ودعا الله تعالى لَهَا. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَفِّلْ يَدَكَ. فَسَفَّلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَفِّلْ يَدَكَ. فَأَبَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَاعَدَهَا.

3839 - وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حدثنا حَمَّادٌ عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ قَالَ: أن أمرأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَمْسَحَ وَجْهَهَا، فَمَسَحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَأْطِئْ يَدَكَ بَعْدَمَا قَدْ وَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهَا. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِلَيْكِ عَنِّي.

كَذَا فِيهِ، لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ رَضِيَ الله عَنْه.

3839 - وَرَوَاهُ أبو يَعْلَى: حدثنا إِسْحَاقُ ابن أبي إِسْرَائِيلَ، ثنا حماد، ثنا حَنْظَلَةُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: أن أمرأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهَا، وَكُنَّ يَأْتِينَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُنَّ. وَيَدْعُو لَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَأْطِئْ يَدَكَ. قَالَ: فَدَفَعَهَا، وَقَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي "

 المطالب العالية - أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر – ج 15 ص 618

كل هذه الروايات لا تصح لان مدارها على حنظلة السدوسي، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب إنه ضعيف من السابعة، فقال: " 1583 حنظلة السدوسي أبو عبد الرحيم ضعيف من السابعة واختلف في اسم أبيه فقيل عبيد الله أو عبد الرحمن ت ق "

تقريب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر - ج 1 ص 184

والطبقة السابعة هي طبقة اتباع التابعين كما ذكر الحافظ ابن حجر، حيث قال: " السابعة: طبقة أتباع التابعين، كمالك والثوري "

 تقريب التهذيب – ابن حجر - ص 25

وقد ذكره الإمام البخاري في الضعفاء قائلا:

" 87- حنظلة بن عبيد الله، أبو عبد الرحيم، السدوسي: يعد في البصريين، عن أنس وشهر، روى عنه حماد بن زيد، وجرير بن حازم، وهشام بن حسان، نسبه ابن المبارك، قال يحيى القطان: رأيته، وتركته على عمد، وكان قد اختلط "

 الضعفاء– أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري - ص 51

وقال الإمام ابن الجوزي:

" 1042 - حَنْظَلَة بن عبيد الله أبو عبد الرَّحْمَن السدُوسِي الْبَصْرِيّ وَيُقَال ابْن أبي صَفِيَّة يروي عَن أنس وَشهر بن حَوْشَب قَالَ يحيى بن سعيد تركته على عمد وَكان قد اخْتَلَط قَالَ أحمد ضَعِيف مُنكر الحَدِيث يحدث بأعاجيب وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ ضَعِيف وَقَالَ ابْن حبَان اخْتَلَط بِأخرَة فَكان لَا يدْرِي مَا يحدث فاختلط حَدِيثه الْقَدِيم بِحَدِيث الْأَخير تَركه يحيى الْقطَّان وَقَالَ ابْن معِين ضَعِيف "

الضعفاء والمتروكون – أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – ج1 ص 241 – 242

ومما يؤكد بطلان هذه الرواية ما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إنها قالت: " لاَ وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ أمرأَةٍ قَطُّ "

 صحيح البخاري - بَابُ إذا أَسْلَمَتِ المُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الحَرْبِيِّ – ج 7 ص 49، وصحيح مسلم - بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ – ج 3 ص 1489

وقال الإمام الألباني:

" وجملة القول إنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم إنه صافح أمرأة قط حتى ولا في المبايعة فضلا عن المصافحة عند الملاقاة "

سلسلة الأحاديث الصحيحة – محمد ناصر الدين الألباني – ج 2 ص 28