" تفسير “وأشرقت الأرض بنور ربها” عند الإمامية بين السياق القرآني والتأويل الباطني
يُعدّ تفسير القرآن الكريم من أخطر أبواب العلم الشرعي وأعظمها أثرا في بناء العقيدة وصياغة المفاهيم الإيمانية. ومن هنا كان الانحراف في فهم النص القرآني أو تحميله ما لا يحتمله من التأويلات سببًا لظهور إشكالات عقدية خطيرة عبر التاريخ الإسلامي. ومن الآيات التي دار حولها جدل واسع قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، حيث ذهب بعض علماء الإمامية إلى تفسير “رب الأرض” بالإمام، وجعلوا نور الأرض يوم القيامة نور الإمام لا نور الله تعالى.
هذا المقال يناقش هذا التفسير في ضوء السياق القرآني الكامل لسورة الزمر، ويعرض أقوال كبار مفسري الشيعة أنفسهم في معنى الآيات المتعلقة بقيام الله على كل نفس بما كسبت، ثم يقارن بينها وبين النصوص المنقولة في كتبهم، مع تحليل عقدي يبيّن مدى توافق هذه التأويلات مع أصل التوحيد الذي أجمع عليه المسلمون.
كما يتناول المقال أقوالًا منسوبة إلى بعض علماء الإمامية في مسألة الولاية الكلية، وديانة الناس يوم القيامة، وبيان علاقتها بمفهوم الربوبية والجزاء الإلهي، في محاولة لعرض المسألة عرضًا علميًا موثقًا بعيدًا عن التشنج، مع الاعتماد على المصادر الأصلية.
قال المجلسي:
- تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن أبي عبدالله،عن جعفر بن محمد،عن القاسم بن الربيع،عن صباح المزني،عن المفضل بن عمر إنه سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول في قول الله: " وأشرقت الأرض بنور ربها، قال: رب الأرض إمام الأرض، قلت: فإذا خرج يكون ماذا؟قال: إذا يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزؤون بنور الإمام " اهـ.
- بحار الأنوار - المجلسي - ج 7 ص 326
إن السياق القراني يبطل هذا التفسير الباطني الرافضي للقران الكريم، فالله تعالى يقول: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70): الزمر﴾، فالأرض تشرق بنوره تعالى يوم القيامة، لان الخطاب القراني يبين الصعق، ثم النفخ، ثم اشراق الارض بنور ربها، ووضع الكتاب، ومجيء الانبياء، والشهداء، ثم القضاء بين العباد بالحق، ومجازاة العباد على افعالهم، فلا ادري ما هو دخل الإمام هنا!!!.
وقال الخميني في مصباح الهدآية:
" وبالحري أن نذكر مالخصه الشيخ العارف الكامل القاضي سعيد القمي مما فصله بعض أهل المعرفة: قال في البوارق الملكوتية.....................
وخرج بأمر الحق إلى الاسم "الرب" فقال له" صدر الأمر بأن تفعل أنت ما تقتضيه المصلحة في بقاء الممكنات. فقال سمعاً وطاعة. وأخذ وزيرين يعينإنه على مصالحه. وهما "المدبر" و"المفصل". قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي ربكم الذي هو الإمام. فانظر ما أحكم كلام الله وأتقن صنع الله انتهى " اهـ.
63 - مصباح الهدآية - الخميني - ص 154 – 155.
قولهم أن المقصود في الآية بلقاء ربكم:
اي ربكم هو الإمام هو عين قول السبئية الذين حرقهم علي رضي الله عنه وقتلهم شر قتلة. فَحُكمُ علي رضي الله عنه بسعيد القمي ومن يستحسن كلامه وينقله مستشهدا به مقرا له – اي الخميني - هوالتحريق والقتل.
ولنقرأ النص القراني وننظر هل يتوافق مع قول هؤلاء المتلاعبين بكتاب الله تعالى، أم إنه يكذبهم، ويبين زيف قولهم، قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2): الرعد ﴾
فالسياق القراني كله يتعلق بالله تعالى، ولا علاقة له بأحد غير الله تعالى، وذلك لان الذي رفع السماوات بغير عمد هو الله تعالى.
وقال الخميني:
" وبالجملة، لمّا كان كل ما في الكون آية لما في الغيب، لابد وأن يكون لحقيقة العين الثابتة الإنسانية، أي العين الثابتة المحمدية(ص) ولحضرة الإسم الأعظم مظهر في العين، ليظهر الأحكام الربوبية ويحكم على الأعيان الخارجية، حكومة الاسم الأعظم على سائر الأسماء والعين الثابت للإنسان الكامل على بقيّة الأعيان. فمن كان بهذه الصفة، أي الصفة الإلهية الذاتيّة، يكون خليفة في هذا العالم؛ كما أن الأصل كان كذلك "
- مصباح الهدآية - الخميني - ص 150
ان هذا القول هو عين قول النصارى والعياذ بالله ففيه اتحاد الناسوت باللاهوت، وهذا لوحده يكفي بتشابه عقيدة الخميني بعقيدة النصارى.
وقال ايضا: " وبما علمناك من البيان واتيناك من التبيان يمكن لك فهم قول مولى الموحدين وقدوة العارفين، أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين: كنت مع الأنبياء باطناً ومع رسول الله ظاهراً فإنه عليه السلام صاحب الولآية المطلقة الكلّية. والولآية باطن الخلافة؛ والولآية المطلقة الكلّية باطن الخلافة الكذائية، فهو علية السلام بمقام ولايته الكلية قائم على كل نفس بما كسبت، ومع كل الأشياء معيّة قيومية ظليّة إلهية، ظل المعيّة القيوميّة الحقّة الإلهية؛ إلا أن الولآية لمّا كانت في الأنبياء أكثر خصهم بالذكر " اهـ.
- مصباح الهدآية - الخميني - ص 153
ان القائم على كل نفس بما كسبت هو الله تعالى كما جاء في القران الكريم وليس علي رضي الله عنه، قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أم تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أم بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33): الرعد ﴾
قال الطوسي:
"معنى قوله" ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ " من هو قائم بتدبيرها وجزائها على ما كسبت من خير أو شر، كمن ليس بهذه الصفة، وحذف الخبر لدلالة الكلام عليه " اهـ.
- التبيان - الشيخ الطوسي - ج 6 ص 258
ان سياق الآية دال على أن الذي يتصف بالقيام على كل نفس بما كسبت فهو مساوٍ لله تعالى، وذلك لان الآية في ابطال صفة القيام على كل نفس بما كسبت لغير الله تعالى، فلو كان هناك أحد يتصف بالقيام على كل نفس بما كسبت لكان مساويا لله تعالى، ومستحقا للعبادة.
وقال الطباطبائي:
" قوله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا له شركاء﴾ القائم على شيء هو المهيمن المتسلط عليه والقائم بشيء من الامر هو الذي يدبره نوعا من التدبير والله سبحانه هو القائم على كل نفس بما كسبت اما قيامه عليها فلإنه محيط بذاتها قاهر عليها شاهد لها واما قيامه بما كسبت فلإنه يدبر أمر أعمالها فيحولها من مرتبة الحركة والسكون إلى اعمال محفوظة عليها في صحائف الأعمال ثم يحولها إلى المثوبات والعقوبات في الدنيا والآخرة من قرب وبعد وهدى وضلال ونعمة ونقمة وجنة ونار.
والآية متفرعة على ما تقدمها أي إذا كان الله سبحانه يهدى من يشاء فيجازيه بأحسن الثواب ويضل من يشاء فيجازيه بأشد العقاب وله الامر جميعا فهو قائم على كل نفس بما كسبت ومهيمن مدبر لنظام الأعمال فهل يعدله غيره حتى يشاركه في الوهيته؟ "
تفسير الميزان - الطباطبائي - ج 11 ص 363
ان كلام الطباطبائي واضح جدا على أن القائم على كل نفس بما كسبت هو الله تعالى، وقد فصَّل في معنى الآية، والمراد بقيام الله تعالى على كل نفس، فجعل الثواب، والعقاب، والهداية، والضلال كله لله تعالى وهو معنى القياس على كل نفس بما كسبت، ثم استنكر أن يكون احد عِدل الله تعالى فيشاركه في الوهيته التي اختص بها دون غيره من قيامه على كل نفس بما كسبت، فيلزم من سياق الآية، وكذلك قول الطباطبائي أن الخميني مشرك بالله تعالى.
وقال المجلسي:
" 16 – بصائر الدرجات: محمد بن الحسين، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لديان الناس يوم القيامة وقسيم الله بين الجنة والنار، لا يدخلهما داخل إلا على أحد قسمين وإنه الفاروق الأكبر "
بحار الأنوار - المجلسي - ج 39 ص200
رواية الرافضة تقول أن علي رضي الله عنه ديان الناس يوم القيامة، وهو الذي يقسم الجنة والنار، فماذا بقي لله تعالى اذا كان المجازي للخلق علي رضي الله عنه يوم القيامة؟!!!، ولقد جاء معنى الديان في اللغة المجازي، قال الإمام الفراهيدي: " دانَ اللهُ العِباد يَدينهم يومَ القيامة أي يَجزيهم وهو دَيّانُ العِباد "