الوضع والوضاعين في السنة المطهرة: كيف شوهت الشيعة الأحاديث وأفسدت الدين

انتشرت على مدار التاريخ آلاف الروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والأئمة عليهم السلام، إلا أن كثيراً منها موضوعة أو ملفقة من قبل من يُعرفون بالوضاعين، ومن بينهم طائفة الشيعة الذين حرصوا على تزوير الأحاديث أو تحريفها لخدمة أغراضهم الخاصة، سواء كانت سياسية أو مذهبية أو شخصية.

وقد لعبت هذه الروايات الموضوعة دوراً كبيراً في تشويه الدين وإدخال عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، مما أدى إلى ظهور فرق ومذاهب ضالة، وبنيت عقائدها على أساس كذب وافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام.

ويهدف هذا المقال إلى كشف منهجية الشيعة في وضع الأحاديث، وتحليل أسانيدهم، ونقد رواياتهم الباطلة، مع توضيح أهمية الإسناد الصحيح وأخذ الدين عن أهل العلم الموثوقين كما حذر منه الصحابة والفقهاء الأوائل، مبيناً كيف أن اتباع الروايات الموضوعة يؤدي إلى الانحراف عن دين الله واتباع بدعة وخرافة.

ذكرنا فيما سبق أن هناك آلاف الروايات حوتها مصادر المسلمين في شتى العلوم، كلها موضوعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنسوبة اليه وإلى صحابته رضوان الله عليهم وإلى الأئمة رحمهم الله.

ووضع الحديث عادة قديمة، وقد اختلفت أسباب هؤلاء الوضاعين بين زنادقة أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا الأحاديث استخفافاً بالدين وتلبيساً على المسلمين، وبين أصحاب أهواء وعصبيات ومذاهب، يضعون ما ينتصرون به لمذاهبهم، وبين من وضع ذلك ترغيباً في فضائل الأعمال وترهيباً من النار.. إلى غير ذلك من أسباب ذكرها واتفق عليها كل من تكلم في هذا الباب.

وكان لانتشار هذه الروايات في كتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير والمغازي وغيرها أثراً سيئاً في نشوء عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، أدت بدورها إلى ظهور فرق ومذاهب باطلة جل بنيانها على هذه الموضوعات، ولم يكن يتورع أصحابها في أن يصيروا كل ما هوته قلوبهم وأنفسهم حديثاً.

وكان المسلمون الأوائل لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتن بينهم، فكان أن سألوا عن الرجل، فإن كان من أهل السُنة أخذوا حديثه وإن كان من أهل البدعة فلا يؤخذ حديثه.

فصار الإسناد المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأئمة رحمهم الله عند الشيعة هو السبيل إلى معرفة الشرايع والأحكام، فتشددوا في معرفة حال كل من وقع في إسناد حديث حتى قيل لهم: أتريدون أن تزوجوه؟

وكان ابن سيرين رحمه الله يقول:

«إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم»[1].

وكان من هدي الرعيل الأول أن يأتوا بالإسناد قبل الحديث.

قال الزهري:

 «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة»[2]. قال الأوزاعي: «ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد»[3].

 وقال شعبة: «وإنما يعلم صحة الحديث من الإسناد»[4]، وقال سفيان الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن سلاح فبمشيء يقاتل»[5]، وقال ابن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»[6]، وقال أيضًا: «مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم»[7].

 وقال الشافعي رحمه الله:

 «مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري»[8]. وغيرها من أقوال بينوا فيها أهمية الإسناد.

فكان أن ظهر علم الرجال، الذي يبحث في أحوال رجال الأسانيد المنتهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة رحمهم الله لمعرفة صحة نسبة هذا الحديث أو ذاك إليهم من حيث خلو إسنادها من وضاعين إلى غيرها من علل وشذوذ.

وقد أورد الشيعة من طرقهم حث الأئمة رحمهم الله علىالتثبت في نقل الأخبار بعد أن هالهم حجم الكذب عليهم.

فعن الصادق رحمه الله قال:

 «إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس»[9].

وقال رحمه الله: «إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأساً»[10].

وقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم»[11].

وعن يونس بن عبدالرحمن قال:

«وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبد الله، وقال: إن أباالخطاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أباالخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله فلا تقبلوا علينا خلاف القــرآن»[12].

وعنه أيضاً قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم»[13].

وعن إبراهيم بن أبي محمود قال:

 فقلت للرضا: «يا بن رسول الله!إن عندنا أخباراً في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وفضلكم أهل البيت وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عندكم أفندين بها؟ فقال: يا ابن أبي محمود أن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلو وثانيها التقصير في أمرنا وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[الأنعام: 108] يا ابن أبي محمود! إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا فإنه من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه، إن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرء ممن خالفه، يا بن أبي محمود! احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك خير الدنيا والآخرة»[14].

ولهذا كله وضع القوم شروطاً لقبول الحديث، وهو مـا اتصل سنده إلى الإمام المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، وزاد البعض: أن يكون العدل ضابطاً، وأن لا يعتريه شذوذ، وأن لا يكون معللاً[15].

ووضعوا معايير علمية تثبت بها الوثاقة أو الحسن، منها: نص أحد أئمتهم المعصومين، أو نص أحد أعلامهم المتقدمين، كالبرقي، وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والطوسي، وأضرابهم، أو نص أحد أعلامهم المتأخرين، كمنتجب الدين، وابن شهرآشوب، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين[16].

وقد اتفق المسلمون على حرمة نقل الحديث إذا كان موضوعاً لكونها إعانة على الإثم وإشاعة للفاحشة وإضلالاً للمسلمين، وأن من أراد أن يروي حديثاً ضعيفاً أو مشكوكاً في صحته بغير إسناد، يقول: روي، أو بلغنا، أو ورد، أو جاء، أو نقل، ونحوه من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم، كقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال، لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار[17].

ولا شك أن قولهم: «إن الإتيان بالخبر مع الإسناد يغني عن بيان الحال» صحيح على نحو ما، فإن كثيراً من كتب المسلمين مليئة بالروايات الموضوعة بأسانيدها، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن علماءنا الأوائل رحمهم الله يمرون بمراحل في التأليف، بدءاً بالجمع والذكر لكل ما سمعوه في المقام، وانتهاءً بتحقيق الروايات لتمييز الغث من السمين، وقد يقتصر أكثرهم على الأول، أي: الجمع والذكر لكل ما سمعوه، معتقدين براءة ذمتهم ما داموا قد ذكروا الإسناد الذي يمكن من خلاله معرفة صدق الخبر من كذبه، وذلك لاستحالة تحقيق كل خبر في حينه، لاعتبارات عدة؛ كأن يكون للحديث المذكور طرق أخرى ينجبر به، أو أن ضعف بعض الرواة لم يثبت عنده، وغيرها، وأضف إلى ذلك عدم اشتراطهم لذكر الحديث أن يكون صحيحاً، كما صرحوا بذلك في مقدمة مصنفاتهم، مع هذا فلم يجز العلماء رواية أمثال هذه الموضوعات دون بيان وضعه، وعدوا من فعل ذلك مذنب عليه التوبة.

ونحن في هذا الباب إن شاء الله تعالى سنورد جميع ما وقفنا عليه من روايات في باب الخُمُس من طرق الشيعة، ثم ننظر في أسانيدها وهل يصح منها شيء باعتبارات الصحة التي مرت بك آنفاً.

 

[1] مقدمة صحيح مسلم (1/14).

[2] الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/16).

[3] التمهيد لابن عبد البر (1/57)، طبقات الشافعية الكبرى (1/314).

[4] التمهيد لابن عبد البر (1/57).

[5] شرف أصحاب الحديث (42)، جامع التحصيل (59).

[6] مقدمة صحيح مسلم (1/15).

[7] شرف أصحاب الحديث (42).

[8] المدخل إلى السنن الكبرى (211).

[9]أعيان الشيعة لمحسن الأمين (3/564)، بحار الأنوار، للمجلسي (2/217) و(25/263).

[10] بحار الأنوار، للمجلسي (2/246)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/226)، فرائد الأصول، للأنصاري (1/326)، تاريخ آل زرارة،لأبي غالب الزراري (51)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/347)، إكليل المنهج في تحقيق المطلب، للكرباسي (50)، معجم رجال الحديث، للخوئي (8/232)، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين (7/48)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، لحسين الشاكري (8/429).

[11] مستدرك الوسائل، للميرزا للنوري (10/48) (ه (، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250) (69/211) (ه ( ) 84/101) (ه ( (96/262) (ه (، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/262)، رسائل في دراية الحديث، للبابلي (2/237،253)، أصول الحديث، لعبد الهادي الفضلي (147)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/489)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/300)، قاموس الرجال، للتستري (10/188) (11/181).

[12] رجال الكشي (195)، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250)،خاتمة المستدرك للميرزا النوري (4/177) (هـ)، اختيار معرفة الرجال للطوسي (2/490)، معجم رجال الحديث للخوئي (18/276) (20/208).

[13] تحف العقول، لابن شعبة الحراني (310) (ه (، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250) (46/332) (ه ( (64/202) (ه (، رسائل في دراية الحديث، للبابلي (2/253، 528) (ه (، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (8/163)، أصول الحديث، لعبد الهادي الفضلي (143)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/491)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/300)، قاموس الرجال، للتستري (10/189).

[14] عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (2/272)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (4/502) (ه (، بحار الأنوار، للمجلسي (26/239)، مستدرك سفينة البحار، للمجلسي، للنمازي (8/223)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (8/159)، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي (1/111).

[15] مقباس الهداية (1/145) وما بعدها، دراسات في علم الدراية، لعلي أكبر غفاري (26).

[16] معجم رجال الحديث، للخوئي (1/39)، كليات في علم الرجال، لجعفر السبحاني (151).

[17] مقباس الهداية (1/417)، دراسات في علم الدراية، لعلي أكبر غفاري (77)، رسائل في دراية الحديث،لأبي الفضل حافظيان البابلي (1/210)، الرعاية في علم الدراية، للشهيد الثاني (165).