تُعدّ مكة المكرمة أعظم بقاع الأرض على الإطلاق، اختارها الله حرمًا آمنًا، وجعل القلوب تهوي إليها، وشرّفها ببيته العتيق، وقرن تعظيمها بتعظيم شعائره سبحانه. وقد استقرّ هذا المعنى في القرآن والسنة وإجماع الأمة، حيث كانت مكة موضع الإيمان والسكينة، ومحل زيادة التقوى ولين القلوب. غير أن الفرق الضالّة، وعلى رأسها الشيعة، قد سلكت مسلكًا شاذًا في نظرتها إلى مكة، انتهى إلى كراهية المقام بها، واتهامها بأنها تقسي القلوب.
ففي كتبهم المعتمدة، تَرِدُ روايات تنصّ على أن الإقامة في مكة غير مستحبة، بل مكروهة، وتعلّل ذلك بأن المقام فيها يقسّي القلب، ويورث الملالة، ويجرّ إلى الذنب، وأن المطلوب هو الإسراع في مغادرتها بعد قضاء النسك. كما ذهب فقهاؤهم إلى تقرير كراهة المجاورة بمكة سنةً تامة، بل نسبوا هذا التوجه إلى إرادة الله عز وجل، في طرح يصادم مقاصد الشرع، ويقلب مفهوم البركة والفضل رأسًا على عقب.
ويمثل هذا الموقف انحرافًا عقديًا خطيرًا، لا يمكن فصله عن مسار أوسع من الغلو في المشاهد والقبور، والتقليل المتعمّد من شأن الحرم المكي، تمهيدًا لرفع غيره من البقاع إلى منازل مزاحمة أو متقدمة عليه. ويهدف هذا المقال إلى كشف هذا الانحراف، وبيان حقيقته من نصوصهم، وإظهار تعارضه الصريح مع الوحي، والفطرة، وإجماع المسلمين.
باب كراهية المقام بمكة:
۱- محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحكم؛ وصفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال: لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكة سنة قلت: كيف يصنع؟ قال: يتحول عنها ولا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة وروي أن المقام بمكة يقسي القلوب.
- علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ذكره، عن ذريح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله [ قال: ] إذا فرغت من نسكك فأرجع فإنه أشوق
باب كراهية المقام بمكة
الحديث الأول: صحيح.
قوله: د أن يرفع بناء، قال الشيخ وجماعة بالتحريم، والأشهر بين المتأخرين الكراهة كما هو ظاهر الخبر وعلى التقديرين المراد به أن يجعل سمك البناء أكثر من سمك البيت إذا كثر بيوت مكة سواء طالت أو قصرت مشرفة على البيت لكونها على الجبال.
الحديث الثاني: مرسل.
وقال السيد (ره) في المدارك:
المعروف من مذهب الاصحاب كراهة المجاورة بمكة، وعلل بخوف الملالة وقلة الاحترام، أو الخوف من ملابسة الذنب فإنه فيها أعظم أوبان المقام فيها يقسى القلب، أو بأن من سارع إلى الخروج منها بدوم شوقه اليها وذلك مراد الله عز وجل، وهذه التوجيهات كلها مروية لكن أكثرها غير واضحة الإسناد، وقد ورد في بعض الاخبار ما يدل على استحباب المجاورة، والذي يقتضيه الجمع بينها كراهة المجاورة سنة تامة بحيث لا يخرج منها إلى غيرها وكذا ما دونها مع الخوف من ملابسة ذهب واستحبابها.....
