اعتقاد الكليني بالتحريف عند موسى التبريزي – تواترٌ مدّعى وتناقضٌ يهدم مرجعية القرآن
يُعدّ الإيمان بحفظ القرآن الكريم أصلًا جامعًا لا يقوم الإسلام بدونه، وقد انعقد عليه إجماع المسلمين عبر القرون. غير أن كتب الإمامية، وخصوصًا ما نقله أعلامهم، تكشف عن حضورٍ واسعٍ لدعوى وقوع التحريف في القرآن، ولا سيما بالنقصان، مع نسبتها إلى كبار المحدثين والقدماء. ويأتي عرض موسى التبريزي ليُبرز هذا الاضطراب بجلاء؛ إذ ينقل ذهاب الأخباريين والحشوية إلى القول بالتحريف، وحكايته عن الكليني وشيخه علي بن إبراهيم القمي، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج، في مقابل الأصوليين الذين نفوا التحريف واختاروا عدم وقوعه.
وتتضح خطورة هذا المسلك حين تُساق أخبارٌ يُدّعى تواترها لتأسيس القول بالتحريف، من قبيل دعوى سقوط أكثر من ثلث القرآن بين آيتين، أو زيادة اسم علي في آية البلاغ، أو الزعم بأن حقّ أهل البيت خفي بسبب الزيادة والنقصان. ثم تُقابَل هذه الدعاوى بمحاولاتٍ أصولية لاحقة لتثبيت نفي التحريف عبر دعوى الإجماع والأصل، مع الاعتراف بوجود روايات كثيرة من «الخاصة والعامة» في هذا الباب. وتكشف هذه الثنائية عن تناقضٍ بنيويٍّ لا يمكن تجاوزه بالتوفيق اللفظي.
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك هذا التناقض كما عرضه موسى التبريزي، وبيان أن دعوى التواتر لا تصمد أمام النقد، وأن الجمع بين إثبات روايات التحريف ونفيه إجمالًا يهدم مرجعية القرآن، ويُظهر أن هذا الاتجاه فرقةٌ ضالّة خرجت عن إجماع المسلمين في أعظم أصول الدين.
الــوثــيــــــــــــــــقــة:
۲۳۹- ذهب إليه الأخباريون والحشوية وحكي عن الكليني، وشيخه علي بن إبراهيم القمي الله وأحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج، -خلافاً للأصوليين، فذهبوا إلى نفي وقوع التحريف في القرآن. واختاره أبو علي الطبرسي صاحب التفسير والشيخ والمرتضى والصدوق. وهو المختار وحجة الأخباريين أخبار كثيرة ادعى السيد الجزائرى في كشف الأسرار وأبو أحمد محمد بن عبد النبي الخراساني في رسالته المسماة بتحفة جهان باني تواترها، منها ما روي مستفيضاً بل متواتراً - كما قيل - عن أمير المؤمنين حيث سئل عن المناسبة بين قوله: ﴿وَأن خِفْتُمْ أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ وقوله: ﴿فانكحوا...﴾، إنه قد سقط من بينهما أكثر من ثلث القرآن ومنها ما روي مستفيضاً أن آية الغدير هكذا نزلت: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك في علي فإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. ومنها ما في تفسير العياشي عن أبي جعفر قال: «لولا إنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن» إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المساق.
وتدل على المختار وجوه:
أحدها: الأصل.
وثانيها: الإجماعات المحكية عن الشيخ والطبرسي والمرتضى والصدوق. قال الشيخ في التبيان: «وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق بالذكر، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه. وأما النقصان منه فالظاهر أيضًا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات، غير إنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة
