غياب النص وتناقض روايات الأئمة عند الشيعة: شهادة الصحابة على بطلان الإمامة المزعومة
تقوم العقيدة الشيعية الإمامية على دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ صراحةً وبشكلٍ متكرر على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم على سلسلة الأئمة الاثني عشر من بعده، وجعل طاعتهم ركناً من أركان الدين، بل قرن الإيمان بالله ورسوله بالإيمان بإمامتهم. غير أن المتتبع للروايات الواردة في كتب الشيعة أنفسهم، والمنسوبة إلى كبار الصحابة وأهل السابقة في الإسلام، يقف على مشهدٍ مضطربٍ لا يستقيم مع دعوى النص ولا مع بداهات الدين.
فها هو سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، يُصوَّرون في هذه الروايات وهم يجهلون الإمام، أو يسألون عن عدد الأئمة، أو يتعجبون من أسمائهم، أو تتكرر عليهم الأسئلة نفسها في مواطن مختلفة، بل أحياناً في الرواية الواحدة. ويزداد الاضطراب حين تُجعل الإمامة مذكورة في التوراة والإنجيل، ثم يُسأل عنها من زُعم إنه عرفها من الكتابين!
إن هذا التناقض المتراكم لا يدل إلا على أن عقيدة الإمامة بصيغتها الاثني عشرية بناءٌ متأخر، صيغ على مراحل، وتضخمت رواياته بمرور الزمن، حتى صار الصحابة – في هذه الأخبار – إما جهلة بأعظم أصول الدين، أو متسائلين عنه إلى آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ناقلين لأقوال تتناقض في التوقيت والمضمون والنتيجة. ويكشف هذا المقال، من خلال استعراض هذه الروايات نفسها، أن دعوى النص على الإمامة لا تصمد إمام النقد التاريخي ولا إمام العقل ولا إمام واقع السيرة النبوية.
وفي رواية: يا رسول الله، إنك قلت: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان[1].
ولا أدري كيف سمع سلمان الفارسي رضي الله عنه هذا الحديث، وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يتداولونه رغم خطورته، مع عدم معرفة الإمام، ثم تنقلب الآية، فيروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سأل سلمان رضي الله عنه: يا سلمان، أن الله عز وجل لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً، قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- قال: يا سلمان، فهل علمت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم[2].
لا أدري كيف وهو يؤكد ورود هذه العقيدة في كتب الأولين، ثم يبقى على جهله بهم حتى يسأله الرسول عن ذلك، ويرد بقولـه: الله ورسوله أعلم، ألم يخش أن يموت ميتة جاهلية؟ ثم أليست إجابة السؤال موجودة في التوراة كما زعموا؟ وقد ذكرنا ذلك فيما سبق.
وعلى ذكر قول سلمان:
عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- فقد أورد القوم الكثير من الروايات في بيان ورود مسألة الإمامة والأئمة في الكتب السماوية، ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بطلبها من مظانها، ولكن نذكر هنا رواية واحدة تقول: أن أسماء الأئمة وردت في التوراة، وهي: تقوبيت، قيذوا، دبيراً، مفسوراً، مسموعاً، دوموه، مثبو، هذار، يثمو، بطور، نوقس وقيدموا[3].
رجعنا الآن إلى ذكر سلمان الفارسي وغياب النص عنه، وكما أوردنا في الرواية السابقة عنه قولـه: عرفت هذا من الكتابين، ونسوق الرواية التالية التي تنسجم معها، فعن علي رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة، إذ دخل عليه جماعة من أصحابه، منهم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعبدالرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله، أن لكل نبي وصياً وسبطين، فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق ساعة، ثم قال: يا سلمان، أن الله بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيي خير الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط، ثم قال: يا سلمان، أتعرف من كان وصي آدم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: إني أعرفك يا أبا عبدالله، فأنت منا أهل البيت، أن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وأوصى شيث إلى ابنه شبان -ثم ذكر بقية سلسلة الأنبياء والأوصياء إلى أن قال-: وأنا أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: فقلت: يا رسول الله، فهل بينهم أنبياء وأوصياء أخر؟ قال: نعم، أكثر من أن تحصى، ثم قال: وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى ابنك الحسن، والحسن يدفعها إلى أخيه الحسين -ثم ذكر بقية الأئمة- ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافعاً صوته: الحذر الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي، قال علي: فقلت: يا رسول الله، فما يكون في هذه الغيبة حاله؟ والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة[4].
والرواية -كما ترى- تدور أحداثها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وكان قد تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الرابعة من الهجرة، فكيف يستقيم أن أمراً من الخطورة بمكان أوردنا فيه في المقدمة ما أوردناه، لم يكن شائعاً بين الصحابة حتى السنة السابعة عشرة من البعثة، ولم يستوجب سؤال سلمان عنه رغم مرور ما لا يقل عن أربعة أعوام على إسلامه الذي كان بعد الهجرة، ونحن نعلم بالضرورة عدم سؤاله صلى الله عليه وسلم عن عدد ركعات صلاة المغرب، أو في أيٍّ من الأشهر يكون الصيام، لأن ذلك من ضروريات الدين وأركانه، ولكن لا نعلم علة جهله بأهم الأركان، والذي ما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء في المائة والعشرين مرة -كما يزعم القوم- إلا وأوصى بالإمامة أكثر من وصيته بالأركان الأخرى.
كذلك لا يفوتك في الرواية تساؤلات علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سواء عمن سبقوه، أو عن حال الخامس من ولد السابع وغيرهما.
ثم ها هو ينسى كل ذلك، حيث نراه يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم: من الخليفة بعدك حتى نعلمه؟ فقال: يا سلمان، ادخل على أبي ذر رضي الله عنه وافهموا عني أن علي بن أبي طالب وصيي ووارثي وقاضي ديني وعداتي[5].
والغريب أن هذه الرواية -أيضاً- دارت أحداثها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وهو كما عرفت مما سبق تاريخ وقوعها، وأبطالها هم أبطال القصة السابقة، أي: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين، وتتكرر القصة.
ثم إنني لم أقف على مغزى استدعاء هؤلاء النفر من الصحابة دون غيرهم، ولا العلة من هذه السرية في تبيين ما لولاه لما خلق الله شيئاً، ألم يكن يغني قولـه صلى الله عليه وسلم: الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب عن كل هذا؟ ولعلي ألتمس العذر لجهل هؤلاء الصحابة -سواء الذين استدعاهم أو الذين لم يستدعهم- بخلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تاريخ هذه الرواية لسريتها كما يزعم القوم في هذه الرواية.
نعود إلى ما كنا فيه من ذكر غياب النص عن الصحابة رضي الله عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن مسعود، إذ دخل الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار، فقال له عبدالله بن مسعود: ما هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه، فقال: يا عبدالله، سألت عظيماً ولكني أخبرك أن ابني هذا -ووضع يده على كتف الحسين- يخرج من صلبه ولد مبارك سميّ جده علي، يُسمى: العابد ونور الزهاد، ويخرج الله من علي ولداً اسمه اسمي، وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقراً، وينطق بالحق، ويأمر بالصواب، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا رسول الله؟ قال: يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله، الطاعن عليه كالطاعن علي، والراد عليه كالراد علي، ثم دخل حسان بن ثابت وأنشد في رسول الله شعراً وانقطع الحديث، فلما كان من الغد صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل بيت عائشة ودخلنا معه أنا وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن العباس، وكان صلى الله عليه وسلم من دأبه إذا سُئِلَ أجاب، وإذا لم يسأل ابتدأ، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إلا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين؟ قال: نعم يا أبا هريرة -ثم ذكر بقية الأئمة- فقال له علي بن أبي طالب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ قال: يا علي، أسامي الأوصياء من بعدك، والعترة الطاهرة، والذرية المباركة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً عبد الله ألف عام ثم ألف عام ما بين الركن والمقام، ثم أتاني جاحداً لولايتهم لأكبه الله في النار كائناً من كان[6].
هذه الرواية وإن كان الأنسب إيرادها عند حديثنا عن أمير المؤمنين أو ابن مسعود رضي الله عنهما، إلا أن الغاية واحدة.
أقول: هذه الرواية منسوبة إلى أبي هريرة رضي الله عنه، الصدوق عند متقدمي القوم، والكذوب عند متأخريهم لحاجةٍ في نفس يعقوب، ليس هذا الكتاب محل بيانها.
وأبو هريرة رضي الله عنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر -أي: في السنة السابعة من الهجرة- بعد عشرين سنة من البعثة، فإذا علمت هذا فتأمل قول ابن مسعود: من هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ وقول علي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ فلا يحتاج إلى تعليق.
وعلى أي حال، حتى لا نطيل على القارئ في سيرنا على هذا المنوال بذكر صحابي صحابي، نورد هنا بعض الروايات المشتركة، ففيها غنىً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقبل هذا نذكرك برواية غزوة الخندق التي مرَّت بك، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من يقوم إلى مبارزته -أي: عمرو بن ود- وله الإمامة بعدي؟ وعرفنا هناك أن هذه الغزوة كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، ولكن لم نعرف أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم -وكانوا ثلاثة آلاف في تلك الغزوة- استدرك ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أخبره بإنه قال لهم: أن الأئمة خلقوا قبل الخلق بمليوني عام، وكذلك شأن علي بن أبي طالب نفسه الذي أنشد في ذلك شعراً كما مرَّ بك، ولعلَّ كل هذا يدلك على عدم وجود نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، أي: بعد مرور ثمانية عشر عاماً من البعثة، أو أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم والأمير رضي الله عنه- قد نسوا كل تلك النصوص التي مرَّت بك حتى الآن، وأرى أن هذا الاحتمال قائم، وذلك أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم والأمير رضي الله عنه- قد نسوا أمر هذه الغزوة، وأن علي بن أبي طالب بمبارزته وقتله ابن ود قد صار إماماً بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى القوم عن خالد بن سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله قال لنا ونحن محتوشوه في يوم بني قريظة وقد أقبل على رجال منا ذوي قدر، فقال: معاشر المهاجرين والأنصار، أوصيكم بوصية فاحفظوها، وإني مؤد إليكم أمراً فاقبلوه، إلا أن علياً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم أوصاني بذلك ربي وربكم[7].
وقد علمت -أيضاً- مما مضى أن هذه الغزوة كانت عقب غزوة الخندق مباشرة، أي: أن بين قولـه صلى الله عليه وسلم: من يبارز ابن ود فله الإمامة بعدي، وبين قولـه السابق أياماً معدودات.
وتستمر تساؤلات الصحابة رضوان الله عليهم بزعم القوم في مواطن أخرى، فكلما سمعوا بذكر الأئمة تساءلوا عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله: معاشر الناس، من أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، فليتول علي بن أبي طالب وبقية الأئمة من بعده، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟[8]
وتأخر هذه الرواية بيِّن مما عرفت من إسلام أبي هريرة رضي الله عنه.
وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال:
دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:7]، فقال: أنا المنذر، وعلي الهادي، وهو أبو الأئمة، فقيل: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟[9]
[1] كمال الدين: (231)، البحار: (23/88).
[2] منتخب الأثر: (31)، البحار: (25/6) (36/223) (53/142).
[3] المحتضر: (152)، البحار: (36/223، 224)، منتخب الأثر: (136).
[4] كفاية الأثر: (19)، البحار: (36/335).
[5] كشف اليقين: (188)، البحار: (36/264)، منتخب الأثر: (73).
[6] كفاية الأثر: (11)، البحار: (36/312).
[7] الخصال: (461)، البحار: (28/210).
[8] كفاية الأثر: (12)، البحار: (36/314)، إثبات الهداة: (1/581، 670)، المناقب: (1/301)، منتخب الأثر: (47، 55).
[9] كفاية الأثر: (12)، البحار: (36/316).