ادعاء محمد بن علي [ابن الحنفية] للإمامة
تمتلئ كتب الإمامية الاثني عشرية بروايات متناقضة ومتعارضة، تكشف – عند إخضاعها للنقد العلمي – عن اضطرابٍ عميق في أصل عقيدة الإمامة، ولا سيما دعوى النص الإلهي المتسلسل على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم. ومن أبرز هذه الروايات ما نُسب إلى محمد بن علي المعروف بابن الحنفية، من منازعته لعلي بن الحسين زين العابدين في الإمامة والوصاية بعد مقتل الحسين رضي الله عنهما.
وتكتسب هذه الروايات أهميتها من كونها صادرة من المصادر المعتمدة عند الشيعة أنفسهم، لا من كتب المخالفين، مما يجعلها حُجّةً عليهم، لا لهم. فهي لا تُظهر فقط وقوع النزاع على الإمامة داخل البيت العلوي، بل تكشف كذلك غياب أي احتجاج بالنص النبوي المزعوم على الأئمة الاثني عشر، وهو ما يُعدّ نقضًا جذريًا لأصلٍ من أصول المذهب الإمامي.
وفي هذا المقال نسلّط الضوء على هذه الروايات، ونحلل مضامينها، ونبيّن كيف تهدم من داخلها دعوى العصمة، والنص، واللطف، واستمرارية الحجة، ونكشف ما فيها من خرافة واضطراب، مثل محاكمة الحجر الأسود، ونطق الجماد، وترك الأرض – بزعمهم – بلا إمام ناطق بالحلال والحرام لسنوات.
تقول الرواية:
إنه لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به، وقال له: قد قتل أبوك ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي في سني وقدمتي، وأنا أحق بها منك في حداثتك، لا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تجانبني، فقال له علي بن الحسين: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي -يا عم- قد أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله عندي، فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ما صنع أبى أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين، فإن رأيت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك، قال أبو جعفر: وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ائته يا عم وابتهل إلى الله تعالى أن ينطق لك الحجر، ثم سله عما ادعيت، فابتهل في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر، فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: أما إنك يا عم لو كنت وصياً وإماماً لأجابك، فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي فاسأله، فدعا الله علي بن الحسين بما أراده، ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء والأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الإمام والوصي بعد الحسين؟ فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله.
وفي رواية:
عن أبي بجير -عالم الأهواز- وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: حججت فلقيت إمامي، وكنت يوماً عنده، فمرَّ به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه وقبَّل ما بين عينيه وخاطبه بالسيادة، ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عنائي، فقال: وكيف ذاك؟ قلت: لأنا نعتقد أنك الإمام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام وتقول له: يا سيدي؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت: ومن هذا؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الإمامة ونازعني، فقال لي: أترضى بالحجر الأسود حكماً بيني وبينك؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد؟ فقال: إن إماماً لا يكلمه الجماد فليس بإمام، فاستحييت من ذلك، وقلت: بيني وبينك الحجر الأسود، فقصدنا الحجر... فذكر القصة[1].
وفي أخرى: عن أبي خالد الكابلي، قال: دعاني محمد بن الحنفية بعد قتل الحسين ورجوع علي بن الحسين إلى المدينة وكنا بمكة، فقال: صر إلى علي بن الحسين، وقل له: إني أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخويَّ الحسن والحسين، وأنا أحق بهذا الأمر منك، فينبغي أن تسلمه إلي، وإن شئت فاختر حكماً نتحاكم إليه، فصرت إليه وأديت رسالته، فقال: ارجع إليه، وقل له: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما لم يجعله الله لك، فإن أبيت فبيني وبينك الحجر الأسود، فمن أجابه الحجر فهو الإمام... إلى آخر القصة[2].
هذا غير منازعته له في الصدقات، فعن سفيان بن عيينة، قال: قيل للزهري: من أزهد الناس؟
قال: علي بن الحسين حيث كان، وقد قيل له فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة في صدقات علي بن أبي طالب: لو ركبت إلى الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من غرر شره وميله عليك بمحمد، فإن بينه وبينه خلة، قال: وكان هو بمكة والوليد بها، فقال: ويحك! أفي حرم الله أسأل غير الله عز وجل؟ إني آنف أن أسأل الدنيا خالقها، فكيف أسألها مخلوقاً مثلي؟
وقال الزهري: لا جرم أن الله عز وجل ألقى هيبته في قلب الوليد حتى حكم له على محمد بن الحنفية[3].
وفي رواية:
عن ابن غندر قال: جاء مال من خراسان إلى مكة، فقال محمد بن الحنفية: هذا المال لي وأنا أحق به، فقال علي بن الحسين: بيني وبينك الصخرة، فأتيا الصخرة، فكلمها ابن الحنفية فلم تنطق، فكلمها علي بن الحسين فنطقت، وقالت: المال مالك وأنت الوصي ابن الوصي، والإمام ابن الإمام، فبكى محمد، وقال: يا ابن أخي ظلمتك[4].
فهذه بعض مواقف ابن الحنفية من زين العابدين رحمهما الله، ولكن قبل الشروع في التعليق على هذه الروايات، أود أن أذكر هنا نبذة وجيزة عن منزلة ابن الحنفية:
قال الصدوق:
كان محمد مورداً لعطف أمير المؤمنين -يعني: علياً رضي الله عنه- وشفقته، وقال: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا، وأومأ بيده إلى عبدالله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية[5].
وقال ابن شهر آشوب:
وجعله أمير المؤمنين في حرب صفين مع محمد بن أبي بكر وهاشم المرقال على ميسرة العسكر، وجعل الحسن والحسين ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر على الميمنة[6].
وأعطاه أمير المؤمنين الراية يوم البصرة، وقال له: أنت ابني حقاً[7]، وغيرها[8].
نرجع إلى روايتنا فنقول: لو لم يكن في كتابنا سوى هذه الرواية فهي حسبه، فقول ابن الحنفية: قد قتل أبوك ولم يوصِ، ورد زين العابدين: إن أبي يا عم أوصى إليَّ في ذلك، من أعظم الدلالات على بطلان كل ما مرَّ بك من القول بالنص على الاثني عشر، ويكفيك عدم احتجاجه بذلك، وإلا كان حسبه القول: يا عم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وأنه لولاهم لما خلق الله شيئاً وأنت منهم، ولا قبل أعمال العباد وأنت منهم إلا باعتقاد إمامتهم... وهكذا، إلى ذكر كل ما مرَّ بك في مقدمة هذا الباب، بدلاً من قولـه: إن أبي -يا عم- أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وإن كنا لا نرى توجيهاً لعهد الحسين رضي الله عنه هذا لذات العلة.
ثم إن احتجاجه بعامل السن رغم كون زين العابدين قد جاوز العشرين سنة لا يخلو من علة، وهي أهمية هذا العامل في مثل هذه المسائل، وما دمنا قد تطرقنا إلى هذه المسألة فلا أرى بأساً من ذكر بعض الدلائل التي تشير إلى أهمية ذلك، فزين العابدين نفسه لم يرَ في سن ابنه الباقر ما يجعله أهلاً للمحرمية، وذلك عندما أمر يزيد بقتله كما يروي القوم، فقال زين العابدين: فإذا قتلتني فبنات رسول صلى الله عليه وسلم من يردهن إلى منازلهن وليس لهن محرم غيري؟ فقال: أنت تردهن إلى منازلهن[9].
وكان الباقر حينذاك لم يتجاوز الرابعة من العمر، ناهيك أن افتراض مقتله يقتضي أن يتولى أمر المؤمنين من لم يبلغ الخامسة من عمره، لذا يروي القوم أنه -أي: الباقر- تكلم بعد موت أبيه بسبع سنين[10].
أي: أن الأرض تركت من غير حجة يفزع الناس إليها في حلالهم وحرامهم كما تقتضيه مسألة اللطف عند القوم.
والغريب أن القوم يقولون: إن الشيعة لم تعرف الحلال أو الحرام حتى تكلم الباقر[11].
[1] مختصر البصائر:(14)، البحار:(42/77، 82) (45/347) (46/22، 29، 111) (95/160، 166)، الخرائج والجرائح: (194)، معجم الخوئي: (16/48) وقال: الرواية صحيحة السند، غيبة الطوسي: (16، 119)، إثبات الهداة: (2/5) (3/6، 11، 15، 21، 28، 32)، الكافي: (1/348)، البصائر: (502)، غيبة الطوسي: (16، 119)، الإمامة والتبصرة:(194)، إعلام الورى: (253)، المناقب: (3/288)(4/147)، ذوب النضار لابن نما: (292).
[2] الخرائج والجرائح: (194)، البحار: (46/29).
[3] علل الشرايع: (78)، البحار: (42/75) (46/63).
[4] إثبات الهداة: (3/25).
[5] الخصال: (380)، معجم الخوئي: (16/50)، الاختصاص: (179)، البحار: (33/320)(38/182).
[6] المناقب: (3/168)، معجم الخوئي: (16/50).
[7] غيبة الطوسي: (16)، البحار: (37/2، 5، 6، 7) (42/82) (51/178).
[8] انظر المزيد: البحار:(45/348)، كمال الدين: (45)، نور الثقلين: (1/779).
[9] تفسير القمي: (2/332)، البرهان: (4/296)، إثبات الهداة: (3/21)، أمالي الطوسي: (258)، البحار: (45/168).
[10] إثبات الهداة: (3 /28)، البحار: (2/162) (46/39)، الكشي: (83).
[11] البحار: (23/90) (68/337، 387)، الكافي: (2/20).