أسباب وقوف بعض الشيعة على الكاظم:

كيف صنعت الروايات الشيعية واقعة “الوقف” وأسقطت دعوى النص والإمامة

يُعدّ الوقوف على موسى بن جعفر الكاظم إحدى أخطر المحطات التي كشفت الاضطراب البنيوي في عقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية، إذ لم يكن هذا الوقوف ناتجًا عن جهلٍ عارض، ولا عن شبهةٍ سطحية، بل تأسس – كما تُثبت نصوصهم المعتمدة – على كمٍّ هائل من الروايات المنسوبة إلى جعفر الصادق نفسه، والتي تصرّح صراحة بأن ابنه موسى هو القائم، وصاحب السيف، والمهدي المنتظر، والمحتوم الذي لا بداء فيه.

وتكمن خطورة هذه القضية في أن الواقفة لم يبتدعوا قولهم من فراغ، ولم يستندوا إلى مصادر سنية أو روايات خصوم، بل احتجّوا بأحاديث إمامية صريحة، حتى اضطر بعض كبارهم إلى القول: «ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟»، وهو سؤال يكشف مأزق المذهب لا مأزق الأفراد.

ويهدف هذا المقال إلى بيان الأسباب الحقيقية التي دفعت طائفةً من الشيعة إلى الوقوف على الكاظم، من خلال تتبع الروايات التي مهّدت لذلك، وتحليل مضمونها العقدي، وإظهار كيف أسهمت هذه النصوص في هدم دعوى العصمة، والنص الإلهي، واستمرار الحجة، وأدخلت المذهب في دوامة البداء، والتناقض، والتكذيب المتبادل بين الأئمة أنفسهم.

على أي حال، لسنا بصدد حصر كل أمثال هذه الروايات، ونكتفي بهذا القدر الضئيل، ولكن لنتساءل عن العلة التي من أجلها وقف هؤلاء والتبس الأمر عليهم، حتى قال من قال منهم كابن قياما الواسطي: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ كما مرَّ بك قولـه آنفاً، بل وقول الكاظم: أما إنهم يفتنون بعد موتي، فيقولون: هو القائم، وما القائم إلا بعدي بسنين[1].

ترى ماذا قال الصادق رحمه الله -أو بالأحرى ماذا نسب إليه- حتى وقف هؤلاء على ابنه، وقالوا بإنه المهدي؟

اقرأ معي هذه الروايات لتقف على حقيقة هذا الأمر:

عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لا ينسجني والقائم أب.

وعن يزيد الصايغ قال: لما ولد لأبي عبدالله أبو الحسن رضي الله عنه عملت له أوضاحاً وأهديتها إليه، فلما أتيت أبا عبدالله بها قال لي:يا يزيد، أهديتها والله لقائم آل محمد صلى الله عليه وسلم.

وعن أبي سعيد المدايني قال:

 سمعت أبا جعفر يقول: أن الله استنقذ بني إسرائيل من فرعونها بموسى بن عمران، وإن الله مستنقذ هذه الأمة من فرعونها بسميه.

وعن أبي جعفر قال: أن الله تعالى عرض سيرة قائم آل محمد على موسى بن عمران، فقال: اللهم اجعله من بني إسرائيل، فقال له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعلني من أنصاره، فقيل له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعله سميي، فقيل له: أعطيت ذلك.

وعن أبي جعفر قال: قال رجل: جعلت فداك، إنهم يروون أن أمير المؤمنين قال بالكوفة على المنبر: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً مني يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقال أبو جعفر: نعم، قال: فأنت هو؟ فقال: لا، ذاك سمي فالق البحر. أي: موسى بن عمران على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وعن علي بن الحسين قال:

 أن قارون كان يلبس الثياب الحمر، وإن فرعون كان يلبس السودَ ويرخي الشعور، فبعث الله عليهم موسى، وإن بني فلان لبسوا السواد وأرخوا الشعور، وإن الله تعالى مهلكهم بسميه.

وعن علي بن الحسين قال: أن اسم القائم اسم لحديدة الحلاق.

وعن أبي عبدالله قال: ابني هذا -يعني: أبا الحسن- هو القائم، وهو من المحتوم، وهو الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً[2].

وعنه أيضاً قال: من المحتوم أن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف، وأشار بيده إلى أبي الحسن.

وعن أبي الوليد الطرائقي قال:

كنت ليلة عند أبي عبدالله، إذ نادى غلامه، فقال: انطلق فادع لي سيد ولدي، فقال له الغلام: من هو؟ فقال: فلان -يعني: أبا الحسن- فلم يلبث حتى جاء بقميص بغير رداء.. إلى أن قال: ثم ضرب بيده على عضدي، وقال: يا أبا الوليد، كأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس، ومعه أصحابه يهدون جبال الحديد هداً، لا يأتون على شيء إلا هدوه، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: نعم، هذا يا أبا الوليد، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً، يسير في أهل القبلة بسيرة علي بن أبي طالب، يقتل أعداء الله حتى يرضي الله، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: هذا، ثم قال: فاتبعه وأطعه وصدقه وأعطه الرضا من نفسك، فإنك ستدركه أن شاء الله.

وعن عبدالله بن غالب قال: أنشدت أبا عبدالله هذه القصيدة:

فإن تك أنت المرتجى للذي نرى***لك التي من ذي العلى فيك نطلب

فقال: ليس أنا صاحب هذه الصفة، ولكن هذا صاحبها، وأشار بيده إلى أبي الحسن.

وعن إسماعيل البزار قال:

 قال أبو عبدالله: أن صاحب هذا الأمر يلي الوصية وهو ابن عشرين سنة، فقال إسماعيل: فوالله ما وليها أحد قط كان أحدث منه، وإنه لفي السن الذي قال أبو عبدالله.

وعن إسماعيل بن منصور الزبالي قال:

 سمعت شيخاً بأذرعات قد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت علياً يقول على منبر الكوفة: كأني با بن حميدة قد ملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقام إليه رجل، فقال: أهو منك أو من غيرك؟ فقال: لا، بل هو رجل مني.

وعن أبي عبدالله قال: كأني با بن حميدة على أعوادها قد دان له شرق الأرض وغربها[3].

وحميدة هي أم الكاظم[4].

وعن يحيى بن إسحاق العلوي، عن أبيه، قال: دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب هذا الأمر من بعده؟

قال: صاحب البهمة، وأبوالحسن في ناحية الدار ومعه عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لله الذي خلقك، ثم قال: أما إنه الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وعن عبدالله بن سنان قال:

سمعت أبا عبدالله وذكر البداء لله، فقال: فما أخرج الله إلى الملائكة وأخرجه الملائكة إلى الرسل، فأخرجه الرسل إلى الآدميين، فليس فيه بداء، وإن من المحتوم أن ابني هذا هو القائم.

وعن الصادق قال: على رأس السابع منا الفرج.

وعن أبي حمزة الثمالي قال:

 قال أبو عبدالله: من جاءك فقال لك: إنه مرّض ابني هذا وأغمضه وغسله ووضعه في لحده ونفض يده من تراب قبره فلا تصدقه.

وفي رواية: عن الكاظم نفسه قال: يا علي، من أخبرك إنه مرضني وغمضني وغسلني ووضعني في لحدي ونفض يده من تراب قبري فلا تصدقه.

وعن أبي عبدالله قال: أما إنه -أي: الكاظم- صاحبكم، مع أن بني العباس يأخذونه فيلقى منهم عنتاً، ثم يفلته الله من أيديهم بضرب من الضروب، ثم يُعمَّى على الناس أمره حتى تفيض عليه العيون، وتضطرب فيه القلوب، كما تضطرب السفينة في لجة البحر وعواصف الريح، ثم يأتي الله على يديه بفرج لهذه الأمة للدين والدنيا.

وعن الباقر قال: صاحب الأمر يسجن حيناً ويموت ويهرب حيناً.

وعنه أيضاً قال: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وسلم، أما موسى فخائف يترقب، وأما يوسف فالسجن، وأما عيسى فيقال: مات ولم يمت، وأما محمد فالسيف[5].

ومعلوم أن مهدي القوم لم يسجن، أما الكاظم فقد سجن، بل ويبدو أن ذلك كان من المسلمات لولا أن بدا لله فيه كما يزعم القوم، فمن أدعية زيارته كما يُروى عن أبي الحسن: السلام عليك يا من بدا لله في شأنه[6].

وعلى أي حال، نجتزئ بما أوردناه حتى لا نمل القارئ، ولعل بما ذكرنا التماساً للعذر لابن قياما الواسطي، وقولـه: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ وكذا سائر الواقفة.

 

[1] رجال الكشي: (286)، إثبات الهداة: (3/561)، البحار: (48/266).

[2] غيبة الطوسي: (29، 30، 31، 32)، إثبات الهداة: (3/163)، البحار: (38/16).

[3] غيبة الطوسي: (32، 33، 34، 35، 36)، إثبات الهداة: (3/163).

[4] البحار: (37/16) (47/241) (48/1، 6، 7، 9، 228) (49/7)، كشف الغمة: (2/378)(3/3)، إعلام الورى: (302)، الإرشاد: (288، 307، 328)، الكافي:(1/476)، عيون الأخبار: == (1/26، 104)، كمال الدين: (289)، المناقب: (1/266) (4/323).

[5] انظر هذه الروايات في: غيبة الطوسي: (40، 261)، البحار: (51/216)، كمال الدين: (306، 308)، إعلام الورى: (403).

[6] كامل الزيارات: (301)، البحار: (102/9)، وقال: قوله: يا من بدا لله، يمكن أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار أنه كان قدر له أنه القائم بالسيف ثم بدا لله فيه، وأن يكون إشارة إلى البداء الذي وقع في إسماعيل، فإن البداء في إسماعيل يستلزم البداء فيه.