اعتقاد بعض الشيعة بإمامة عبدالله بن جعفر الصادق:
حيرة الأتباع وسقوط دعوى النص والعصمة
تُظهر كتب الشيعة الإمامية بوضوح أن مرحلة ما بعد وفاة جعفر الصادق شكّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الإمامة، إذ لم يكن أتباعه على بيّنة من الإمام الذي يليه، رغم ما يُدّعى من وجود نص إلهي صريح، وعصمةٍ تامة، وعلمٍ محيطٍ لا يعتريه الجهل أو الاشتباه. ومن أخطر مظاهر هذا الاضطراب اعتقاد جمهور من الشيعة بإمامة عبدالله بن جعفر، الابن الأكبر للصادق، واجتماع الناس عليه بوصفه “صاحب الأمر”.
وتكمن خطورة هذه الحادثة في إنها لم تكن اجتهادًا فرديًا، ولا شبهة عابرة، بل كانت اعتقادًا عامًا بين أصحاب الصادق أنفسهم، ممن يُعدّون من كبار رواة المذهب وأركانه. ثم ما لبث هذا الاعتقاد أن إنهار عند أول اختبار علمي بسيط، ليُترك الأتباع في حيرةٍ شديدة، يتخبطون بين الفرق والمذاهب، ويبحثون عن إمامهم في الأزقة، باكين لا يدرون إلى من يتوجهون.
ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على هذه الواقعة كما وردت في المصادر الشيعية، وتحليل دلالاتها العقدية، وبيان كيف أسقطت هذه الحادثة دعوى النص، والعصمة، والعلم اللدني، وكشفت أن الإمامة لم تكن أمرا إلهيًا واضحًا، بل فكرةً مضطربة تَشَكَّلت عبر الكتمان، والخوف، والتدرج، والتصفية الداخلية.
عاد بنا الحديث إلى الصادق وأصحابه[1]، ولكن نتحدث هذه المرة عن مسارٍ آخر، وهو: اعتقاد أصحابه في الإمامة في أبنائه.
فعن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومؤمن الطاق وأبو جعفر، والناس مجتمعون على أن عبدالله صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون عند عبدالله، وذلك إنهم رووا عن عبدالله أن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا نسأله عما كنا نسأل أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة، قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف، قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا، فرفع يده إلى السماء، فقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضُلالاً، لا ندري إلى أين نتوجه، أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد وإلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر، وذلك إنه كان لـه بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فما زلت أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى، ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: ادخل رحمك الله، قال: فدخلت، فإذا أبو الحسن، فقال لي ابتداء: لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ، إليَّ، إليَّ، قال: فقلت له: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك، من لنا بعده؟ فقال: أن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك، أن عبدالله يزعم إنه من بعد أبيه، قال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله، قال: قلت لـه: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟
فقال: أن شاء الله أن يهديك هداك أيضًا، قلت: جعلت فداك، أنت هو؟ قال لي: ما أقول ذلك، قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا، فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله، إعظاماً له وهيبة، أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، قلت: جعلت فداك، أسألك عما يسأل أبوك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بَحْر، قال: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضُلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي بالكتمان؟ قال: من آنست منهم رشداً فألق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن إذاعوا فهو الذبح -وأشار بيده إلى حلقه- ثم ذكر إنه لقي الناس وأخبرهم بذلك ودخلوا عليه وقطعوا عليه إلا طائفة، مثل: عمار وأصحابه، فبقى عبدالله لا يدخل عليه أحد إلا قليلاً من الناس، قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأخبر أن هشام بن سالم صدَّ عنه الناس، فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير وأحد ليضربوني[2].