النص على علي بن أبي طالب بين الدعوى والاختلاق: هل يمكن أن يُخفى النص الإلهي؟

تقوم العقيدة الإمامية على أن الله تعالى نصَّ صراحةً على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ هذا النص وفرض طاعة الأئمة من بعده فرضاً إلهياً لا يتم الإيمان إلا به. وبناءً على هذا الأصل، فإن النص – بزعمهم – معلومٌ مشهور، لا يخفى على النبي، ولا على الأئمة، ولا على الصحابة، ولا على أهل كل زمان.

غير أن المتتبع للروايات الشيعية يجد نفسه أمام إشكالٍ جوهري لا مفر منه: كيف يُدَّعى نصٌّ إلهيٌّ قطعي ثم يُقال بإخفائه، أو جهله، أو اختلاف الناس فيه، أو اضطراب الروايات حول زمانه وكيفيته؟ وكيف يُعقل أن يكون أصل الدين وأعظم أركانه – على حد زعمهم – خفياً، يحتاج إلى استدلال ونظر، بل وتُنسج له روايات متأخرة تعود إلى زمن المولد والطفولة قبل البعثة؟

في هذا المقال نسلّط الضوء على قضية النص وإمكانية خفائه، ونستعرض نماذج من الروايات التي وضعها القوم لإثبات النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه منذ مولده، بل وقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نبيّن التناقض الصارخ بين هذه الدعوى وبين الواقع التاريخي واضطراب الروايات الشيعية نفسها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

إذا علمت كل هذا مِنْ أن الله عز وجل قد نصَّ على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة من بعده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ هذا وأظهر فرض طاعتهم كما مرَّ بك، استحال أن يكون النص مخفياً عليه صلى الله عليه وسلم وعلى الأئمة، وعلى أصحابهم وأهل زمانهم، كما لا يجوز أن يظهر النبي شيئاً في زمانه فيخفى عمن ينشأ بعد زمانه حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب، واستدلال عليه، كشأننا الآن.

بهذه التوطئة الموجزة التي يجب عليك أن تستحضرها وأنت تقرأ كتابنا هذا، والمقدمة التي قرأتَها والتي يجب ألا تفارقها نشرع في المقصود.

لا شك بعد كل ما مر بك أنه ليس بالمستغرب أن يضع القوم روايات تتفق مع هذه العقيدة عند مولد الرسول صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرووا أن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: اصبري سبتاً آتيك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين ثلاثون سنة[1].

وفي رواية: إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره.

وفي أخرى: أما إنك ستلدين مولوداً يكون وصيه.

وفي أخرى: هو إنما يكون نبياً وأنت تلدين وزيراً بعد ثلاثين[2].

ويقولون: إن الراهب المثرم بن دعيب قد أخبره بأنه سيلد وصي محمد، وسيكون اسمه علياً[3].

وقالوا: لما ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أول شيء فعله عند مولده أن سجد على الأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي يُتمّ الوصية، وأنا أمير المؤمنين[4].

وعندها أهبط القوم جبرئيل عليه السلام ليقول للرسول صلى الله عليه وسلم بزعمهم: يا حبيب الله، الله يقرئك السلام، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلاء درجتك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك وخليفتك، ومن شددت به أزرك، وأعليت به ذكرك علي بن أبي طالب[5].

ثم يستمر القوم في سرد ما يناسب المقام ليضعوا رواية لعلها تبين أول لقاء بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد مولده، ليدور التالي: لما ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فأذّن وأقام، وشهد بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولنفسه بالخلافة والولاية، ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَقرأُ يا رسول الله؟ فقال: نعم، فابتدأ بصحف آدم، فقرأها حتى لو حضر شيث لأقر أنه أعلم بها منه، ثم تلا صحف نوح، وصحف إبراهيم، والتوراة والإنجيل، ثم تلا ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قد أفلحوا إذ أنت إمامهم، ثم خاطبه بما يخاطب به الأنبياء والأوصياء، ثم سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عد إلى طفوليتك، فأمسك[6].

وفي طفوليته تلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه -كما يزعم القوم- أن تضع مهده بقرب فراشه، وكان صلى الله عليه وسلم يلي أكثر تربيته، ويحمله على صدره، ويقول: هذا أخي ووليي وناصري وصفيي وذخري وظهري وظهيري ووصيي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي[7].

فتأمل.. كيف يكون هذا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد!

ومرَّت على ذلك سنوات حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أن دعاه رضي الله عنه وخديجة رضي الله عنها في بدء الدعوة، وقال كما يروي القوم عن الصادق: إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام، فأسلما تسلما... إلى أن قال: يا خديجة، هذا علي مولاك ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي، قالت: صدقت يا رسول الله، قد بايعته على ما قلت، أُشهد الله وأشهدك بذلك، وكفى بالله شهيداً عليماً[8].

ولم يشأ القوم أن يدعوا والدي الرسول صلى الله عليه وسلم بمنأى عن هذه العقيدة، فكان أن وضعوا في شأنهما رواية تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع ذات ليلة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخرج أباه من قبره، وسأله: من وليك يا أبه؟ فقال: وما الولي يا بني؟ قال: هو هذا علي، فشهد أن علياً وليه، ثم عدل إلى قبر أمه فصنع كما صنع عند قبر أبيه[9].

ويبدو أن واضع هذه الرواية جاهل بموقع قبري والدي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعلهما في البقيع.

وعلى أي حال، لا نمل القارئ بنسجنا على هذا المنوال وإلا طال بنا المقام، فكل ما أوردناه من روايات أو تلك التي أعرضنا عنها إنما وضعت لتخدم هذه العقيدة، فهي منسجمة تماماً مع ما مرَّ بك في أول هذا الباب وتتفق معها باعتبار معتقد القوم، ولا يفترض خلاف ذلك من جهل بالنص، أو غيابه عن سائر الناس أو معظمهم فضلاً عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، أو على من يجب أن يلي الأمر من بعده من أئمة منصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولكن الحال أن الأمر يختألف تماماً عن هذه الفرضية التي يجب أن نسلم بها مع القوم باعتبار كل ما مر بك، فقد اضطرب القوم واضطربت رواياتهم بعد ذلك بشكل لا يكاد يضبط ولا بد، لقولـه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]

 

[1] معاني الأخبار: (403)، الكافي: (1/452)، البحار: (15/263) (35/6، 77) (38/47)، إثبات الهداة: (1/153) (2/13).

[2] الكافي:(1/454)(8/302)، البحار:(15/137، 273، 295، 297)(17/364)(35/6، 84)، إثبات الهداة: (2/20)، الخرائج: (11، 186).

[3] البحار: (35/11، 101)، روضة الواعظين: (68)، الفضائل: (59)، جامع الأخبار: (17)، إثبات الهداة: (2/465).

[4] روضة الواعظين: (70)، الفضائل: (57)، جامع الأخبار: (17)، البحار: (35/14)، إثبات الهداة: (2/483، 490).

[5] إثبات الهداة: (2/196، 197)، البحار: (35/21)، الروضة: (17)، روضة الواعظين: (72).

[6] إثبات الهداة: (2/465).

[7] البحار: (35/9)، كشف اليقين: (6)، بشائر المصطفى: (9).

[8] البحار: (18/232) (68/392)، الطرف: (4).

[9] علل الشرايع: (70)، معاني الأخبار: (55)، البحار: (15/109)، إثبات الهداة: (1/268).