افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري: الجذور الحقيقية لعقيدة الإمام الغائب
يمثّل افتراق الشيعة بعد وفاة الحسن بن علي العسكري سنة (260هـ) الذروة النهائية لحالة الاضطراب العقدي التي لازمَت نظرية الإمامة منذ نشأتها، إذ لم يعد الخلاف محصورًا في شخص الإمام، بل امتد إلى أصل وجوده من عدمه، وحياته وموته، وولادته وغيبته، بل وإمكان انقطاع الإمامة نفسها. وفي هذه المرحلة بالذات، تهاوت دعوى النص الإلهي والعصمة التامة سقوطًا نهائيًا، كما تقرّ بذلك مصادر الشيعة القديمة قبل المتأخرة.
فلو كانت الإمامة نصًا إلهيًا واضحًا لا لبس فيه، محفوظًا من الضياع، لما افترق أصحاب العسكري إلى أكثر من عشر فرق متناقضة، كل واحدة منها تبني تصورًا مختلفًا للإمام، بل وتناقض غيرها في أصول قطعية مثل: وجود الخلف، وشرط الوصية، وإمكان الغيبة، بل وإمكان انقطاع الحجة عن الأرض. إن هذا الافتراق الحاد، الذي لم تشهده أي مرحلة سابقة بهذا الحجم، يبرهن أن فكرة الإمام الثاني عشر لم تكن حقيقة مستقرة، بل كانت حلًّا متأخرًا فُرض بعد استنفاد جميع الاحتمالات الأخرى.
ويهدف هذا المقال إلى كشف حقيقة ما جرى بعد وفاة العسكري، وبيان كيف تشكّلت عقيدة الإمام الغائب من بين عشرات الآراء المتضادة، ولماذا انتصرت رواية واحدة دون غيرها، لا لقوة الدليل، بل لضرورات الحفاظ على بقاء المذهب.
أما موقف الشيعة بعد وفاة العسكري المتوفى سنة (260) للهجرة، فإليك بيانه بإيجاز:
افترق أصحابه إلى فرق كثيرة جاوزت العشر، منها:
فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهراً؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام.
وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع، لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إماماً ولا الحسن أيضاً؛ لأن محمداً توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعياً مبطلاً، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهراً معروفاً مشاراً إليه، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.
وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلاً، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالاً مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمداً كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف.
وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولداً في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمداً وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع.
وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلاً، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له إن له ولداً خفياً لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: خلف ابناً نبياً رسولاً، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابناً، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ذكراً من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابناً ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عز وجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضاً من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين عيسى عليه السلام نبي ولا وصي، ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم.
وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه.
وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إماماً وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إماماً بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله، وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولداً، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عز وجل في الأرض حجة، وإن للحسن بن علي ابناً سماه محمداً ودلَّ عليه وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عز وجل [1].
وهذه الفرقة الأخيرة هي التي تهمنا، وهي الإمامية الاثنا عشرية، وهي موضوع كتابنا هذا، ويبلغ تعداد الإمامية الاثني عشرية من الشيعة اليوم ما يزيد على المائة مليون نسمة حسب المصادر الشيعية[2]، من مجموع تعداد المسلمين والذي فاق المليار، ويختلف الآخرون مع الإمامية في صحة تعدادهم أنه قد بلغ المائة مليون، ويعدون ذلك من مبالغاتهم باعتبار أن العدد المذكور يشمل جميع فرق ومذاهب الشيعة السائدة في يومنا هذا كالزيدية والإسماعيلية والعلوية، فضلاً عن الفرق الباطنية في شبه القارة الهندية وغيرها.
وعلى أي حال، لسنا الآن بصدد مناقشة مسألة العدد....
[1] انظر تفصيل هذه الفرق في: فرق الشيعة: (96) وما بعدها، الفصول المختارة: (261) وما بعدها، البحار: (37/20) وما بعدها (50/336).
[2] عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر: (ص:5) (الحاشية)، الطبعة التاسعة (1992)، دار الصفوة -بيروت، دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية لجعفر السبحاني: (133).