تُعدّ مسألة ولاية الفقيه من أخطر القضايا التي تشكّل عليها الفكر السياسي عند الشيعة الإمامية في العصر الحديث، لما بُني عليها من سلطات دينية وسياسية واسعة نُسبت إلى الفقيه في زمن غيبة الإمام المعصوم. وقد استند القائلون بهذه النظرية إلى مجموعة من الروايات المنسوبة إلى النبي ﷺ وأئمة أهل البيت، زاعمين أنها تؤسس لنيابة عامة تُخوِّل الفقيه إدارة شؤون الأمة في الدين والدنيا.

نستكمل الروايات التي تخص ولاية الفقيه...........

15 ـ عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال:

سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية وترك أولادا ذكرانا [وإناثا] وغلمانا صغارا وترك جواري ومماليك هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم. وعن الرجل يصحب الرجل في سفره فيحدث به حدث الموت ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه إلى ولده الكبار أو إلى القاضي؟ فإن كان في بلدة ليس فيها قاض كيف يصنع؟ وإن كان دفع المال إلى ولده الأكابر ولم يعلم به فذهب ولم يقدر على رده كيف يصنع؟ قال: إذا أدرك الصغار وطلبوا فلم يجد بدا من إخراجه إلا أن يكون بأمر السلطان. وعن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة صغار وكبار أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك فإن تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستأمره الخليفة أيطيب الشراء من أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك[1].

16 ـ عن زرعة، عن سماعة قال:

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس [2].

17 ـ قيل لأمير المؤمنين عليه السلام:

من خير خلق الله بعد أئمة الهدى، ومصابيح الدجى؟ قال: العلماء إذا صلحوا [3].

18 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم[4].

19 ـ مقاتل بن سليمان:

 وجدت في الإنجيل أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام: عظم العلماء وأعرف فضلهم فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شئ[5].

20 ـ عن الرضا عليه السلام:

 روي أن لأيسر القبيلة وهو فقيهها وعالمها أن يتصرف لليتيم في ماله فيما يراه حظا وصلاحا، وليس عليه خسران ولا له ربح، والربح والخسران لليتيم وعليه، وبالله التوفيق [6].

  فهذه جل الروايات التي يحتج بها من ذهب إلى القول بنظرية ولاية الفقيه، وهي كما يتبين من النظرة الأولى لمن له إلمام بهذه المسائل لا تخلو من مآخذ كبعد البعض عن المقصود إن صحت، وكون بعضها لم ترد من طرق الشيعة فتكون ساقطة عن الإعتبار عند الفريق الآخر وضعف أسانيد البعض الآخر والمنقولة من كتب فيها كلام عند الشيعة أنفسهم الأمر الذي لا يسعنا الكلام فيه في هذا المختصر.

  أما المتون فبعضها تتكلم عن حالة خاصة في رجلين تنازعا في ميراث. لذلك رفض الفقهاء تعميمها وتطبيقها على الولاية المنظورة بقياس غير مقبول مع الفارق الكبير بينهما. كما أنها ترجع إلى (قد روى حديثنا) وليس الفقهاء المجتهدين أي النظرية الإخبارية التي كانت سائدة في الفكر الشيعي سابقا بعد عصر الغيبة لفترات طويلة وهي تحرم الاجتهاد بروايات اللعن من الأئمة على من يجتهد ويستعمل عقله في القياس وغيره، وكذلك تحرم التقليد لأحاديث أهل البيت (من قلَّدَ في دينه هلك) قبل التأثر بالمذاهب السنية ومدارس الاجتهاد[7].

  ثم أن أكثر هذه الروايات وردت في بيان فضيلة العلم كما يرى المعارضين ويروون أن الذي يرثه الوارث ليس هو جميع شؤون الموروث. بل لا يرث إلا ما كان يصلح للوراثة والمناسب ههنا بمناسبة المقام هو تبليغ الأحكام وبيان الشرعية. وهذه الروايات مذيلة غالباً بأن الأنبياء لا يورّثون مالا المفهوم منه أن ذلك ليس من شأنهم وإنما لا اهتمام لهم بالمال والدنيا لا أنهم لا يورّثون مطلقاً لمخالفة ذلك لنص الكتاب والسنة فإذن هي بصدد بيان وراثة العلم الذي هو من شأن الأنبياء وما هو من شأن العلماء من وراثة العلم وسيرة الأنبياء في مقابل الطواغيت والظلمة.

  وأن الاستدلال براوية مجاري الأمور وغيرها إنما يراد منه الأئمة المعصومين كما يعتقد الشيعة فهي لو كانت لها ظهور فإنما هو في الولاية التكوينية لو قيل بها بالنسبة للمعصومين، كما وأن العلماء بالله لا ينطبق إلا على أهل البيت برأي الشيعة لأن سائر الناس لا يقال في حقهم انهم من العالمين بالله بل غاية ما يمكن أن يقال في حقهم أنهم عارفون بالله. وقالوا - أي الفريق المعارض للنظرية - إن ما استدلّ به على الولاية المطلقة لا إشعار فيه على ذلك وأن ولاية النبي وآله ولاية تابعة لذواتهم وليست قابلة للجعل لغيرهم وعلى فرض إمكان مجعوليتها فهي محتاجة إلى أدلة قطعية واضحة تثبت هذا التنزيل أو التفويض للفقيه بنحو الولاية المطلقة بما تسوّق التصرّف في الأنفس والأعراض والأموال، وأين الفقيه من مثل {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، أو كون النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف يمكن تصور هذه المنزلة العظمى للفقهاء في زمن الغيبة؟.

  كما وأن مجاري الأمور بيد العلماء لا دليل فيه على أكثر مما تحتاج إليه الناس لنظم أمورهم وهذا ما تتكفّله الولاية الوسطى التي عليها معظم الاعلام. ثم يشير الاعلام إلى أن هذه الروايات ليست في مقام جعل الولاية فتكون مهملة من هذه الجهة. ويضيفون إلى ذلك أن كلمة العلماء إنما تطلق على أهل البيت خاصة في ذلك الزمان فسياقها ينصرف إليهم وهناك مما يؤيد ذلك أيضاً من الروايات الشيعة كما ورد نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون.

  فكيف مع ذلك يمكن حمل إطلاق لفظ العلماء على الفقهاء في زمن الغيبة مع عدم وجود قرينة على ذلك بل مع وجود القرينة على الخلاف وهي الروايات الدالة على أن العلماء هم المعصومون وأنه لا أقل من تحقق الاحتمال فلا يمكن الجزم بكون المراد من العلماء هم الفقهاء.

  وكذا حديث (رحم الله خلفائي) فالظاهر منه كونه في مقام تبليغ الأحكام وتعليم الناس للكتاب والسنة وليس في صدد جعل المنصب والولاية للفقيه فضلاً عن كون هذه الولاية بنحو الولاية المطلقة[8].

  فهذه حال الروايات التي يستند عليها من دعى لهذه النظرية وعلى رأسهم الإمام الخميني الذي لم يكن حظه في الاجتهاد سوى رسالته العملية وهي أقرب إلى النسخ واللصق من وسيلة النجاة للأصفهاني، وهذه الرسالة أجيزت لإنقاذه من حبل المشنقة عندما كان مسجوناً باعتبار أن قانونا في الدستور الإيراني يمنع إعدام الفقيه. أما سائر كتيه ففيها من المسائل التي أستوجبت تكفيره من علماء المسلمين حتى من بني جلدته وبالأخص تلك المتعلقة بآراءة المؤيدة لابن عربي وكقرياته.

  وخلاصة ما مر:

 كما يقول الكاتب أن مسيرة الفكر السياسي الشيعي خلال ألف عام، منذ وفاة الإمام الحسن العسكري، والقول بوجود ولد له في السر هو:(الإمام المهدي) الغائب المنتظر، مر في مراحل. ففي القرون الأولى قالوا بنظرية:(التقية والانتظار) كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة والغيبة) التي كانت تحرم إقامة الدولة أو الثورة أو ممارسة أي نشاط سياسي إلا بقيادة (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وهو ما أدى إلى انسحاب الشيعة من المسرح السياسي والانعزال التام.

  ثم تراجع الفكر الامامي عن هذه النظرية تدريجيا وقال بنظرية: (النيابة العامة) التي طورها الفقهاء بعد ذلك بقرون إلى نظرية (ولاية الفقيه)، والتي تخلَّوا فيها عمليا عن النظرية (الامامية) حيث أجازوا إقامة الدولة بدون اشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية في (الإمام المعاصر) وهو ما أدى إلى نهضة الشيعة في العصر الحديث، وقيامهم بتأسيس (الجمهورية الإسلامية) في إيران.

  وقد رفض أصحاب نظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) النصوص المثبطة التي جاء بها أصحاب نظرية (الانتظار) والتي كانت تحرم الثورة والخروج مع أي ثائر حتى لو كان من أهل البيت سوى (الإمام المهدي المنتظر). واستعانوا بالعقل في عملية التنظير لوجوب إقامة الدولة في (عصر الغيبة) واستخدموا نفس أدلة وجوب الإمامة، الفلسفية، التي استخدمها الأولون، في إثبات عدم جواز انتظار (الإمام المهدي الغائب) الذي قد تطول غيبته آلاف السنين، كما قال الإمام الخميني. وذلك خلافا للشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم من المتكلمين الذين كانوا يشترطون العصمة في الإمام، ويقولون: · ان طريق معرفة الإمام هو النصب والنص من الله، وان لا طريق للتعرف على الإمام إلا بقول النبي أو الإمام السابق أو المعاجز.

ويرفضون: قيام الأمة بنصب الإمام واختياره عبر الشورى، ويقولون: ليس يقوم عندنا مقام الإمام إلا الإمام.

 



[1] الكافي، للكليني، 7/66، الوافي، للفيض الكاشاني، 24/177، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9/239، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/362، 19/423، مسند الإمام الرضا ( ع )، لعزيز الله عطاردي، 2/408

[2] الكافي، للكليني، 7/67، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9/240، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 19/422، الوافي، للفيض الكاشاني، 24/178، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة ( ع )، للحر العاملي، 8/301

[3] الاحتجاج، للطبرسي، 2/264، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/89، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/315، تفسير الإمام العسكري ( ع )، للعسكري ( ع )، 302، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 1/207

[4] بحار الأنوار، للمجلسي، 61/245، 67/139، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/356، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري، 319، البيان في تفسير القرآن، للخوئي، 66

[5] منية المريد، للشهيد الثاني، 121، الجواهر السنية، للحر العاملي، 115، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/25، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/282

[6] فقه الرضا، لعلي ابن بابويه القمي، 333، عوائد الأيام، للنراقي، 558

[7] أنظر رياح التغيير لإيران فى الذكرى الرابعة والثلاثين لاستبداد طغاتها لنبيل الحيدري

[8] ولايــة الفقيــه أم شــورى الفقهــاء؟ نقــاط الضعــف.. وعوامــل القـــوة، الشيخ محمد كاظم الخاقاني