تناقض العصمة والإمامة في ميزان العقل والتاريخ
سليمان بن صالح الخراشي
كثُر في التراث الشيعي الاعتماد على دعاوى عقدية كبرى، في مقدمتها الإمامة الإلهية والعصمة المطلقة للأئمة، وهي دعاوى يُبنى عليها تكفير الصحابة، والطعن في خيار الأمة، وإعادة تفسير التاريخ الإسلامي بمنظار مذهبي ضيق. غير أن هذه الدعاوى، عند عرضها على الوقائع التاريخية الثابتة، وسيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل البيت أنفسهم، تكشف عن تناقضات جوهرية لا يمكن الجمع بينها إلا بإسقاط أحد الأصول التي يقوم عليها المذهب.
ومن هنا جاءت هذه الأسئلة المفصلية، التي طرحها عدد من الباحثين، فكانت سببًا في هداية كثير من شباب الشيعة، لأنها لا تعتمد على الجدل الخطابي، بل تنطلق من المصادر المعتمدة عند الشيعة أنفسهم، ومن الوقائع المتفق عليها بين المؤرخين، لتطرح تساؤلات حاسمة:
كيف يُقال بعصمة علي رضي الله عنه، ثم تُفسَّر أفعاله بما يناقض هذه العصمة؟ وكيف يُكفَّر الصحابة، ثم تُثبت المصاهرات، والتسميات، والموالاة، والبيعة، والرضا بخلافتهم؟ وهل يُعقل أن يخالف الإمام المعصوم ما يزعمه أتباعه من أصول الدين؟
إن هذا المقال لا يستهدف الأشخاص، بل يناقش الفكرة والمنهج، ويعرض الأسئلة كما هي، ليترك للقارئ المنصف أن يختار بين اتباع علي رضي الله عنه كما عرفه التاريخ، أو اتباع تصوّر مذهبي متأخر يناقض فعله وسيرته.
الأسئلة:
1- يروي الشيعة عن علي رضي الله عنه إنه ل-ما خرج على أصحابه محزونا يتنفس، قال:(كيف أنتم وزمان قد أظلكم ت-عطل فيه الحدود ويتخذ المال فيه دولا، ويعادى فيه أولياء اللّه، ويوالى فيه أعداء اللّه)؟ قالوا: يا أمير المؤمنين فإن أدركنا ذلك الزمان فكيف نصنع؟ قال: (كونوا كأصحاب ع-يسى (ع): نشروا بالمناشير، وصلبوا على الخشب، موت في طاعة اللّه عز وجل خير من حياة في معصية اللّه).
فأين هذا من تقية الشيعة؟!
2- ما الذي أجبر أبا بكر رضي الله عنه على مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام في هجرته؟!
فلو كان منافقًا - كما يقول الشيعة - فلمإذا يهرب من قومه الكفار وهم المسيطرون ولهم العزة في مكة؟! وإن كان نفاقه لمصلحة دنيوية، فأي مصلحة كان يرجوها مع النبي تلك الساعة، والنبي صلى الله عليه وسلم وحيد طريد؟! مع إنه قد يتعرض للقتل من الكفار الذين لن يصدقوه!
3- لقد أثنى الله عزو جل على الصحابة في أكثر من موضع في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَ-اةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأمرهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كانتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَ-ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف:156-157].
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴿172﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ أن النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }- [آل عمران:172، 173].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّف َبَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ-كِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إنه عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:62، 63]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:64]
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجتْ لِلنَّاسِ تَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110].
وآيات أخرى كثيرة جدًا.
والشيعة يقرُّون بإيمان الصحابة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنهم يزعمون إنهم ارتدُّوا بعد ذلك! فيا لله العجب، كيف اتفق أن يُجمعَ كل صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم على الارتداد بعد موته؟ ولمإذا؟
كيف ينصرون النبي صلى الله عليه وسلم وقت الشدَّة، ويفدونه بالنفس والنفيس، ثمَّ يرتدون بعد موته دون سبب؟!
إلاَّ أن تقولوا أن ارتدادهم كان بتوليتهم أبي بكر رضي الله عنه عليهم، فيقال لكم:
لمإذا يُجمِعُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة أبي بكر، ومإذا كانوا يخشون من أبي بكر؟ وهل كان أبو بكر رضي الله عنه ذا سطوة وسلطان عليهم فيجبرهم على مبايعته قسراً؟ ثمَّ أن أبا بكر رضي الله عنه من بني تيم من قريش، وقد كانوا من أقل قريش عددا، وإنما كان الشأن والعدد في قريش لبني هاشم وبني عبدالدار وبني مخزوم.
فإذا لم يكن قادراً على قسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مبايعته، فلمإذا يضحي الصحابة رضوان الله عليهم بجهادهم وإيمانهم ونصرتهم وسابقتهم ودنياهم وأُخراهم لحظِّ غيرهم، وهو أبو بكر رضي الله عنه؟!
4- إذا كان الصحابة ارتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم - كما تزعمون - فكيف قاتلوا المرتدين من أصحاب مسيلمة وأصحاب طليحة بن خويلد وأصحاب الأسود العنسي، وأصحاب سجاح وغيرهم وأرجعوهم إلى الإسلام؟! فهلا كانوا مناصرين لهم،أو تاركين، ماداموا مثلهم مرتدين - كما تدعون -؟!
5- السنن الكونية والشرعيَّة تشهد بأن أصحاب الأنبياء هم أفضل أهل دينهم، فإنه لو سئل أهل كل دين عن خير أهل ملتهم لقالوا: أصحاب الرسل.
فلو سئل أهل التوراة عن خير أهل ملتهم لقالوا أصحاب موسى - عليه السلام -، ولو سئل أهل الإنجيل عن خير أهل ملتهم لقالوا: أصحاب عيسى - عليه السلام - وكذلك أصحاب سائر الأنبياء، لأنَّ عهد أصحاب الرسل بالوحي أقرب وأعمق، ومعرفتهم بالنبوة والأنبياء عليهم السلام أقوى وأوثق.
فإذن ما بالُ نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الذي اختصَّه الله بالرسالة الخالدة الشاملة، والشريعة السمحة الكاملة، والذي وطَّأ لظهوره الرسل والأنبياء من قبله، وبشَّرت به الكتب السماويَّة السابقة، يَكفُرُ به - في زعمكم - أصحابُه الذين آمنوا به ونصروه، وعزروه ووقروه؟! فأيُّ معنىً أبقيتم لهذه الرسالة المحمديَّة، وأيُّ وزنٍ أقمتم لهذه الشريعة الربانية، بعد أن تخلَّى عنها في زعمكم خواصُّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وارتدُّوا على أعقابهم؟! فمن جاء بعدهم أولى بالكفر والارتداد والخسران، ممَّن فارقوا لنصرة الرسول الأهل والأوطان، وقاتلوا دونه الآباء والإخوان، وافتتحوا من بعد وفاته الأقطار والبلدان، بالعلم والقرآن والتبيان، ثمَّ بالسيف والسنان.
6- لقد وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمل بالتقية في مواقف عصيبة، والشيعة تدعي - كما سبق - أن هذه التقية تسعة أعشار الدين! وأن أئمتهم استعملوها كثيرًا. فما بالهم لم يكونوا كجدهم صلى الله عليه وسلم؟!
7- لقد وجدنا عليًا رضي الله عنه لم يكفر خصومه، حتى الخوارج الذين حاربوه وآذوه وكفروه. فما بال الشيعة لا يقتدون به؟! وهم الذين يكفرون خيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل وزوجاته أمهات المؤمنين؟!
8- الإجماع عند الشيعة ليس بحجة بذاته، بل بسبب وجود المعصوم -كمايقولون -، وهذا فضول من القول؛ لإنه لا داعي للإجماع إذن.
9- لقد وجدنا الشيعة يكفرون الزيدية، مع أن الزيدية موالون لآل البيت، فعلمنا أن العمدة عندهم هي بغض الصحابة والسلف الصالح لا محبة آل البيت كما يدعون.
10- لقد وجدنا الشيعة يردون إجماع الأمة في قضايا عديدة بدعوى إنه ليس فيها قول المعصوم، ثم نجدهم يقبلون قول أمرأة يسمونها حكيمة - الله أعلم بها وبحالها - في قضية وجود مهديهم المنتظر!
11- يزعم الشيعة أن عليًا يستحق الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى». ثم نجد أن هارون لم يخلف موسى - عليهما الس-لام -! بل خلفه يوشع بن نون!
12- لقد جرأ الشيعة أتباعهم على ارتكاب الآثام والموبقات بدعواهم أن (حب علي حسنة لا تضر معها معصية)، وهذه دعوى يكذبها القرآن الذي يحذر في معظم آياته من المخالفات والنواهي تحت أي دعوى، ويقرر إنه ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أهل الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [النساء: 123].
13- يعتقد الشيعة عقيدة (البداء)، ثم يدعون أن أئمتهم يعلمون الغيب! فهل الأئمة أعظم من الله؟!
14- يحدثنا التاريخ أن الشيعة كانوا مناصرين لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين في حوادث كثيرة؛ من أبرزها: سقوط بغداد بيد المغول، وسقوط القدس بيد النصارى..، فهل يفعل المسلم الصادق ما فعلوه، ويخالف الآيات الناهية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؟! وهل فعل علي أو أحد من أبنائه وأحفاده رضي الله عنهم فعلهم؟!
15- لقد وجدنا كثيرًا من الشيعة يقعون في الحسن بن علي رضي الله عنهما ويذمونه وذريته، رغم إنه أحد أئمتهم، ومن أهل البيت.
16- من يتأمل الشيعة يجد كثرة الانقسامات في مذهبهم، وكثرة تنازعهم وتكفير بعضهم بعضًا في وقت متقارب، ومن أوضح الأمثلة على ذلك: أن شيخهم أحمد الأحسائي أنشأ فرقة عرفت فيما بعد بالشيخيَّة، ثم جاء تلميذة كاظم الرشتي فأنشأ فرقة الكشفية، ثم أنشأ تلميذه محمد كريم خان فرقة الكريمخانية، وأنشأت تلميذته الأخرى قرة العين فرقة عرفت باسم القرتية، وأنشأ ميرزا علي الشيرازي فرقة البابية، وأنشأ ميرزا حسين علي فرقة البهائية.
فانظر كيف نبغت كل هذه الفرق من الشيعة في عصر وأحد، وفي وقتٍ متقارب، وصدق الله العظيم القائل: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:153-163].
17- لقد وجدنا أهل الفتنة البغاة لمَّا حاصروا دار عثمان ابن عفان رضي الله عنه دافع عنه علي رضي الله عنه وطرد الناس عنه، وأنفذ إليه ولديه الحسن والحسين وابن أخيه عبدالله بن جعفر لولا أن عثمان رضي الله عنه عزم على الناس أن يدعوا أسلحتهم ويلزموا بيوتهم. وهذا يدل على بطلان ماتزعمه الشيعة من التباغض والعداوة بينهما.
18- لقد كان عمر رضي الله عنه باتفاق السنة والشيعة يشاور عليًا رضي الله عنه في أمور كثيرة، ولو كان ظالمًا - كما تدعون - لما شاور أهل الحق؛ لأن الظالم لا يطلب الحق!
19- ثبت بالاتفاق أن سلمان الفارسي رضي الله عنه قد تأمر على المدائن زمن خلافة عمر، وأن عمار بن ياسر قد تأمر على الكوفة، وهما ممن يدعي الشيعة إنهما كانا مناصرين لعلي رضي الله عنه ومن شيعته. فلو كان عمر عندهم مرتدًا أو ظالمًا باغيًا على علي لما قبلا بذلك، إذ كيف يعينان الظلمة والمرتدين؟! والله يقول ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إلى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾- [هود:113].
20- يزعم الشيعة أن أئمتهم معصومون، وأن مهديهم موجود، يتصل به بعض علماء مذهبهم، قيل إنهم ثلاثون رجلاً، فكيف بعد هذا الزعم يسوغ الاختلاف والخلاف في مذهبهم، الذي لا يكاد يوجد له نظيرٌ في جميع الفرق والطوائف، حتى إنه يكاد أن يكون لكل مجتهدٍ أو مرجعٍ من علمائهم مذهب خاص به؟! مع إنهم يدعون وجوب وجود إمام تقوم به الحجة على الناس، وهو المهدي المنتظر، فما بالهم أكثر أهل الأرض اختلافًا مع وجود إمامهم وقائمهم واتصالهم به؟!، ثم تقولون أن المجلسي ذكر حديث أن الإمام الغائب لا يُرى ومن ادعى إنه قد رأى الإمام المهدي فقد كذب ثم نقرأ أن علماءكم قد رأو الإمام المهدي مرات كثيرة.
21- يقال للشيعة: أنتم تقولون بإنه لا يصح خلو الزمان من قائم لله بالحجَّة وهو الإمام، فإذا كانت التقية - عندكم - تسعة أعشار الدين، وهي له سائغة، بل مندوبة، بل منقبة وفضيلة، إذ إنه أتقى الناس، فكيف تتمُّ الحجة به على الخلق؟!
22- يزعم الشيعة أن معرفة الأئمة شرط لصحة الإيمان، فما قولهم فيمن مات قبل اكتمال الأئمة الإثني عشر؟! وما الجواب إذا كان الميت إماماً؟
وبعض أئمتكم لم يكن يعرف من هو الإمام بعده! فكيف جعلتم ذلك شرطًا للإيمان؟!