عى عدد من الباحثين المحدثين إلى إعادة تفسير نشأة الغلو والتشيع الأول، عبر إنكار شخصية عبد الله بن سبأ، أو دمجها قسرًا في شخصيات إسلامية معروفة، وعلى رأسها الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه. ومن أبرز من تبنّى هذا الاتجاه الدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، متأثرًا بأطروحات المستشرق هدايت ألو حكيم الهلي، ومرددًا لما قرره الدكتور علي الوردي في وعاظ السلاطين، حيث ذهبوا إلى أن عبد الله بن سبأ ليس إلا عمار بن ياسر، وأن اسمه اختُلق أو استُخدم رمزًا للتعمية السياسية.
وتقوم هذه الدعوى على جملة من التشابهات الظاهرية، كاشتراك الشخصيتين في الانتساب إلى اليمن، أو في كنية «ابن السوداء»، أو في موقفهما من خلافة عثمان رضي الله عنه، غير أن هذا النوع من الاستدلال يعاني من خللٍ منهجي واضح، إذ يعتمد على الظن والتشابه، ويغفل النصوص التاريخية الصريحة، ويصادم ما استقر عليه علماء الحديث والرجال والفرق من الفريقين.
إن المصادر المتقدمة، السنية والشيعية على السواء، تكاد تُجمع على أن عبد الله بن سبأ شخصية مستقلة، يهودي الأصل، أظهر الإسلام نفاقًا، وبثّ أفكار الوصية والرجعة والغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنه كان رأس فرقة ضالة عُرفت بالسبئية أو السبابية. كما أن هذه المصادر فرّقت بوضوح بينه وبين الصحابي عمار بن ياسر، الذي عُرف بالسابقة في الإسلام، والجهاد، والصدق، والبراءة التامة من كل صور الغلو والزندقة.
وتأتي هذه الدراسة لتفنيد دعوى توحيد الشخصيتين، وبيان تهافت أدلتها، وكشف التناقضات التاريخية والعقدية التي تترتب عليها، مع الاعتماد على نصوص موثقة من كتب التاريخ، والفرق، والرجال، وإظهار أن هذه المحاولة ليست إلا ردّ فعل متأخر لنفي الدور الحقيقي لعبد الله بن سبأ في نشأة التشيع الغالي، لا بحثًا علميًا منضبطًا.
حاول الدكتور كامل مصطفى الشيبي أن يثبت في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) أن ابن سبأ هذا ما هو إلا: عمار بن ياسر .
وللحقيقة، أن أول من قال بذلك هو- (هدايت ألو حكيم الهلي) الأستاذ بأحدي الجامعات البريطانية، وردد الدكتور علي الوردي ذلك في كتابه (وعاظ السلاطين))، وأيده الدكتور كامل الشيبي.
وقال: (وهذه الأدلة مقنعة ومنطقية ولكنها في حاجة إلى نصوص تسند تسمية عمار بن ياسر بابن السوداء وابن سبأ)، ثم أخذ يسرد بعض الحجج التي توهم إنها تؤيد مدعاه، ومنها:
كان ابن سبأ يعرف بابن السوداء، وقد رأينا كيف كان عمار يكنى بابن السوداء أيضًا.
وكان من أب يماني، ومعنى هذا إنه كان من أبناء سبأ، فكل يماني يصح أن يقال عنه إنه ابن سبأ، وأهل اليمن كلهم ينتسبون إلى – سبأ بن يشجب بن قحطان – وفي القرآن الكريم:
قال الهدهد لسليمان:
إنه جاءه من سبأ، وقصد بذلك اليمن. وعمار فوق ذلك كان شديد الحب لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – يدعو له، ويحرض الناس على بيعته في كل سبيل.
وقد ذهب عمار في أيام عثمان إلى مصر، وأخذ يحرض الناس على عثمان، فضج الوالي منه، وهم بالبطش به، وهذا الخبر يشبه ما نسب إلى سبأ من إنه استقر في مصر، واتخذ من الفسطاط مركزا لدعوته، وشرع يراسل أنصاره منها.
وينسب إلى ابن سبأ قوله:
أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وأن صاحبها الشرعي هو علي بن أبي طالب، والواقع أن هذا كلام عمار بن ياسر بالذات، فقد سمع ذات يوم يصيح في المسجد أثر بيعة عثمان، يا معشر قريش، أما إذا صرفتم هذا الأمر عن بيت نبيكم ههنا مرة، وههنا مرة، فما أنا بآمن عليكم من أن بنزعه الله فبضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.
ويعزى إلى ابن سبأ إنه هو الذي عرقل مساعي الصلح بين علي وعائشة إبان معركة البصرة، فلولاه لتم الصلح بينهما حسبما تقوله الرواة.
ومن يدرس تفاصيل واقعة البصرة، يجد عمارا يقوم بدور فعال فيها، فهو الذي ذهب مع الحسن، ومالك الأشتر إلى الكوفة، يحرض الناس إلى الانتماء إلى جيش علي، وكان وقوف عمار بجانب علي أثناء المعركة، من أسباب ندم الزبير وخروجه منها، وقالوا عن ابن سبأ إنه هو الذي حرك أبا ذر في دعوته الاشتراكية، ولو درسنا صلة عمار بأبي ذر لوجدناها وثيقة جدا، فكلاهما من مدرسة وأحدة، هي مدرسة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه -، وكان هؤلاء الثلاثة يجتمعون ويتشاورون ويتعاونون معا.
نستخلص من هذا:
أن ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر، فلقد كانت قريش تعتبر عمارا رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم تشأ في أول الأمر أن تصرح باسمه، فرمزت عنه بابن سبأ، أو ابن السوداء، وتناقل الرواة هذا الأمر غافلين وهم لا يعرفون ماذا يجري تحت الستار.
ثم أخذ الدكتور –الشيبي– يسوق بعض الحجج والنصوص التي زعم إنها تسند تسمية عمار بن ياسر – رضي الله عنه – بابن السوداء، وابن سبأ(الوردي، وعاظ السلاطين، مرجع سابق، ص272 – ص274، وانظر الشيبي، مرجع سابق، ص41 وما بعدها)
الرد:
إن من يتفرس النقول السابقة التي أوردناها فيما سبق، يجد أن شخصية عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية عرفها الناس، وعرفوا لها مرونتها وقدرتها التأثير، إذ إنها تؤكد في غير لبس حقيقة وجوده، بل يكاد يكون في حكم الإجماع بين الرواة الذين ذكروا عبد الله بن سبأ، إنه كان يهوديا، وقد أيد علماء الشيعة ذلك من أمثال النوبختي وغيره.
أما لماذا عبد الله بن سبأ بابن السوداء؟ فالذي يظهر من كلام الطبري وغيره، أن عبد الله بن السوداء هو نفسه عبد الله بن سبأ سمي بذلك تحقيرا له لأن أمه سوداء، وربما لأن أمه حبشية كما أسلفنا، ويؤكد المقريزي في خططه (المقريزي، أبو العباس أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الطباعة المصرية، بولاق، ج2، ص334)، وابن كثير في البداية والنهاية (ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تحقيق ومراجعة محمد عبد العزيز النجار، مؤسسة دار العربي للنشر والتوزيع، مطبعة السعادة، ج2، ص356)، هذا التطابق.
قال الطبري:
(كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، وكانت أمه سوداء) (الطبري، تاريخه، ج5، ص98)
وفي البيان والتبيين للجاحظ، خبر جاء في بعض فقراته:
(فلقيني ابن السوداء وهو ابن حرب) وقد حاول الدكتور جواد علي أن يلقي ظلالا من الشك على وجود ابن سبأ من خلال هذه الرواية.
فقال: المهم في هذه الرواية إنه نص على اسم والد ابن السوداء فدعاه حربا! ولكن أي حرب هو؟ فهنالك مئات الأشخاص عرفوا بحرب، ثم من كان والد حرب..؟
ومن أي قبيلة كان؟
ولا شك أن رواية البيان والتبيين محرفة، وأظن أن أصل الرواية (فلقيني ابن السوداء هو وابن حرب) قال الدكتور جواد علي، علق على رواية الجاحظ السابقة بقوله:
(ولست في شك من إنه يقصد بابن السوداء، عبد الله بن سبأ الذي تحدث عنه أصحاب كتب الفرق)
(مجلة الرسالة، عدد 775)
وقد انفرد صاحب كتاب (الفرق بين الفرق)[1] بالقول بأن ابن السوداء شخص غير ابن سبأ بيد أن الأفكار والآراء التي نسبها للثاني، مما يؤدي إلى أن الاسمين لشخص وأحد، أثرت عنه الأفكار المستوردة من الشرق والديانات والمذاهب المنحرفة، وقد اعتمد على رواية الشعبي التي تتحدث عن شخصين
أحدهما: عبد الله بن سبأ، وكان في الأصل يهوديا من اليمن.
والثاني: عبد الله بن السوداء، وهو يهودي من الحيرة، وقد بينا – فيما سلف – أن ابن سبأ في الأصل من اليمن، وإنه نزل الحيرة فيما بعد، وفيها صاغ معظم المقالات التي نادى بها، وهذا التفريق بينهما لم يكن إلا من اختلاط الأمر على الرواة، كما حصل لهم في رواية أخرى للشعبي نقلها صاحب العقد الفريد، جاء فيها (وقد حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، ونفاهم إلى المدائن، ومنهم عبد الله بن سبأ، نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن السياب)[2].
فذكر الشعبي في روايته هذه اسم شخصين هما:
عبد الله بن سبأ، وعبد الله بن السباب، والذي يطالع في هذا الموضع، يتصور أن الثاني من زعماء الغلاة في حب علي بن أبي طالب، وإنه كان من حزب ابن سبأ، فاسم والده السباب.. وبمراجعة لكتب الفرق نجد إنها تسمي عبد الله بن سبأ وأتباعه بالسبئية، كما تسميهم بـ السبابية في ذات الوقت.
جاء في كتاب (الفرق بين الفرق):
(الفصل الأول من فصول هذا الباب: في ذكر قول السبابية: أتباع عبد الله بن سبأ)[3] وقد تكرر ورود هذه التسمية في كتب أخرى مثل: عيون الأخبار لابن قتيبة.
إذ قال: (أول من قال بخلق القران هو المغيرة بن سعيد العجلي وكان من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي).
وقال في موضع آخر: (إن المغيرة كان سبابيا).
فكل هذه التسميات إذن لمسمى وأحد هو عبد الله بن سبأ، وسموا بهذا الاسم، لانتقاصهم من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وإطلاق ألسنتهم في سبهم وتجريحهم. واشتهار عبد الله بن سبأ بلقب ابن السوداء لم يكن يسره، كما لم يسر اتباعه، إذ استعملت هذه الكلمة دوما للتحقير والازدراء، فقد عير بها المقداد بن الأسود، فقيل له يا ابن السوداء، وقالها أبو ذر لبلال – رضي الله عنه –، فمن المحتمل أن يكنى عمار بن ياسر – رضي الله عنه – وغيره بابن السوداء، كما كني – ابن سبأ – بذلك، وليس معنى هذا إنهما شخصية وأحدة، وإنما رفض الشيعة المحدثون وجود ابن سبأ زاعمين إنه عمار بن ياسر، وأن النواصب حملوه كل تلك الأفكار والآراء الشائعة بين الأقليات غير الإسلامية في المجتمع الإسلامي، لينفوا بداية التشيع والغلو بعبد الله بن سبأ، وقد أظهره مؤرخو الفرق وكتابها من سنة وشيعة، كرائد للتشيع الغالي، فكان رد فعل الشيعة المحدثين أن اعتبروا عبد الله بن سبأ، اسما وضعه الأمويين لعمار بن ياسر المناهض لهم. ومقصدهم من ذلك إظهار عمار بن ياسر- بما عرف عنه- بإنه الرائد الأول لمذهبهم. ثم أن هذا الرأي الذي ذهب إليه كل من الدكتور علي الوردي، والدكتور مصطفى الشيبي، وغيرهما، ترده كل كتب الجرح والتعديل، وكتب الرجال المعتمدة عند الشيعة أنفسهم، فهي تذكر عمار بن ياسر ضمن أصحاب علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – والرواة عنه، ثم تذكر في موضع آخر ترجمة عبد الله بن سبأ في معرض السب واللعنة، فهل يمكن اعتبار الرجلين شخصية وأحدة ..؟
وإذا كان الدكتور علي الوردي ومن تابعه يرون أن من عوامل توافق ذهاب كل منهما إلى مصر زمن عثمان، فإن استقراء النصوص، ومعرفة تاريخها يعطي مفهوما غير الذي فهمه الدكتور الوردي، وبالتالي دليلا على استقلال كل من الشخصيتين، فعمار إنما بعثه عثمان إلى مصر سنة 35هـ[4]، كما أن الذين استمالوا عمار بن ياسر في مصر قوم منهم: عبد الله بن سبأ، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر، وذلك عندما طلب الخليفة عثمان – رضي الله عنه – مشورة خاصته، عندما ترامت إلى أسماعه أنباء تذمر الرعية في الأمصار، فقالوا له: (نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار يرجعون إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، أرسل اسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم) [5]، إذا فهما شخصان لشخص وأحد .
كما أن الظروف التاريخية والنفسية، لا تسمح لنا بالقول بأنهما شخصية وأحدة، إذ يلزم من ذلك أن يكون عمار بن ياسر هو الذي أشاع فكرة الوصية، والرجعة، والمهدية، والزندقة، وهذا مالا يستطيع أحد نسبته إلى الصحابي الجليل عمار بن ياسر – رضي الله عنه – بل يلزم من التوحيد بين الشخصيتين نسبة اليهودية إلى عمار، والتي أتثبتها المؤرخون من أهل السنة والشيعة لـ عبد الله بن سبأ. أما اتفاقهما في الكنية (ابن السوداء) فلا يقوم دليلا على إنها شخص وأحد، لأتتا نجد كثيرا من العلام يتشابهون في الكنية والألقاب، مما حمل المؤرخون على التأليف في المتشابه من الأسماء والكنى، والألقاب، لبيان الفرق بينها .
ومن كل مما سلف يتبين لنا مجانبة الدكتور علي الوردي للصواب، وكذلك من تابعه فيما ذهب إليه، وما أوردناه كاف للدلالة على ذلك.