يمثل موقف الخميني من حكّام المسلمين أحد أخطر ملامح الفكر الشيعي الإمامي، إذ يقوم على إنكار التاريخ السياسي للأمة الإسلامية جملةً وتفصيلًا، والطعن في شرعية جميع أنظمتها الحاكمة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، باستثناء فترة قصيرة يحصرها في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبهذا التصور المتطرّف، لا يعترف الخميني ولا التشيّع الإمامي بما عُرف في تاريخ الأمة من عصور ازدهار وعدل، ولا يقيم وزنًا لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا لعصور الدولة الأموية ولا العباسية، بل يراها جميعًا عصور جور وضلال وانحراف عن الإسلام.

وقد عبّر الخميني عن هذا الموقف بوضوح في كتاباته، وعلى رأسها كتاب الحكومة الإسلامية، حيث قرر أن الحكم الشرعي قد سُلب من أهله منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن جميع من تولّى الحكم من غير الأئمة الاثني عشر – أو من نصّبهم فقهاء الشيعة – إنما هم حكّام جور وطغيان. ولم يكتفِ بذلك، بل اعتبر التحاكم إلى غير فقهاء الشيعة تحاكمًا إلى الطاغوت، وكفرًا بما أمر الله بالإيمان به، مما يجعل هذا الموقف تكفيرًا عمليًا للأمة عبر تاريخها السياسي والقضائي.

ومن هنا تتضح حقيقة المشروع الخميني، الذي لا يهدف إلى إصلاح سياسي عام، بل إلى هدم شرعية الحكم الإسلامي التاريخي، وإحلال سلطة مذهبية مغلقة ترى نفسها وحدها الممثلة للحق، وتُقصي سائر الأمة وتاريخها باسم الإمامة والغيبة والولاية.

موقف الخميني من حكام المسلمين:

سمعنا أكثر من تصريح لقادة الحركة في إيران، يقولون بأن الإسلام لم يطبق طيلة التاريخ الإسلامي إلا في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم- وفي فترة حكم علي بن أبي طالب، وواضح إنهم لا يعترفون بالعهد الذهبي للحكم الإسلامي في عهود الخلفاء الثلاثة أبي كر وعمر وعثمان ولا يعترفون بالفترة المديدة من الحكم الإسلامي منذ عهد الأمويين بما فيهم الخليفة العادل عمر بن العزيز ولا بحكم العباسيين ومن بعدهم.

ولو قالوا إنه كان في بعض حكام الدولة الأموية والعباسية انحراف وفساد لما أنكرنا عليهم مذهبهم، ولكنهم يعممون كليا، يتنكرون فيه لماضي الأمة، ويتهمون الأمة في كل عصورها بما فيها عهد الخلفاء الراشدين بالانحراف. والخميني لم يخرف من مفهوم الشيعة في هذا، فقد قرر مذهبه الشيعي واستدل بأدلة الشيعة المحرفة أو المكذوبة.

فهو لا يذكر أحدا من الخلفاء:

 أبا بكر أو عمر أو عثمان أو غيرهم من الصحابة بخير ولا بورد لأحدهم اسما في كتابه. وعندما يحوجه الأمر إلى الاحتجاج لا يذكر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعليا انظر إلى قوله (ص46): (وبهذا جرت السيرة على عهد الرسول(ص) وعلى عهد أمير المؤمنين.

وهو ينص على أن الذي يحق له أن يلي أمور الناس منذ عهد الرسول وإلى زمن اختفاء إمامهم صاحب الزمان معروف بقول في (ص47): (فرأي الشيعة فيمن بحق له أن يلي الناس معروف منذ وفاة رسول الله(ص) وحتى زمان الغيبة، فالإمام عندهم فاضل عالم بالأحكام والقوانين، وعادل في إنفاذها…) وأريدك يا أخي القارئ أن تتأمل جيدا في قوله هذا الذي يسمونه آية الله (منذ وفاة رسول الله وحتى زمان الغيبة) إنه ألغى حتى حكم أبي بكر وعمر وعثمان، فهؤلاء في رأي الخميني الشيعي لا يستحقون أن يلوا أمور الناس، والنص صريح لا يحتاج إلى تأويل ولا يحتمله، رأي الشيعة فيمن يحق له أن يلي أمور الناس معروف)، (لاحظ قوله: معروف هو يجري على مذهب الشيعة ولا يعدل عنه ولا يأتي بقول (جديد) منذ وفاة رسول الله(ص) وحتى زمان الغيبة (ولاحظ المدة الزمنية التي حددها هذا الخميني منذ وفاة الرسول وحتى زمن الغيبة، وهذه الفترة تشمل عهود الخلفاء الثلاثة أبي بك وعمر وعثمان وتشمل الدولة الأموية وجزءا من الدولة العباسية).

أما ريه في الحكام الذين جاءوا بعد ذلك فقد سطره في (ص33) قال:

(في صدر الإسلام سعى الأمويون ومن يسايرهم لمنع استقرار حكومة على بن أبي طالب، مع إنها كانت مرضية الله وللرسول وبمساعيهم البغيضة تغير أسلوب الحكم ونظامه، وانحراف من الإسلام، لأن برامجهم كانت تخالف وجهة الإسلام في تعاليمه تماما. وجاء من بعدهم العباسيون ونسجوا على نفس المنوال، وتبدلت الخلافة، وتحولت إلى سلطنة وملكية موروثة وأصبح الحكم يشبه حكم أكاسرة فارس وأباطرة الروم وفراعنة مصر، واستمر ذلك إلى يومنا هذا).

وتأمل هذا التعميم الذي ختم به كلامه (واستمر ذلك إلى يومنا هذا) أي من عهد علي بن أبي طالب اليوم ليس هناك إسلاميا، وكل الحكام كانوا ظلمة طغاة مستبدين، والحكم الإسلامي كان معطلا.

ويقول في (ص79): (يحتج الله بأمير المؤمنين على الذين خرجوا عليه وخالفوا أمره كما يحتج على معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وأعوإنهم ومساعديهم بما غصبوه من الحق،وبما شغلوه من المنصب الذي ليسوا له بأهل).

◘ كيف ينظرون إلى الحكام المسلمين من غير الشيعة:

والخميني صريح في رأيه، فهو ينقل الروايات التي تعتبر التحاكم إلى غير أئمة الشيعة والى غير فقهاء الشيعة تحاكما إلى الطاغوت، ويعتبر كل حكومة غير شيعية حكومة جائرة ظالمة.

يقول في (ص79): (والله يحاسب حكام الجور وكل حكومة منحرفة من تعاليم الإسلام وبأخذهم بما كانوا يكسبون)

وقد علمنا من كلامه أن حكام أهل السنة ومنهم الخلفاء الثلاثة الراشدين من هؤلاء في نظر الشيعة.

وينقل قول الحسين في الحكام الذين في زمانه حيث يقول:

(من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقا ثابتا له لإنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به). قال الله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به.

يقول الخميني معلقا على هذا النص في (ص87):

 (لقد نهى الإمام في مقام جوابه عن سؤال السائل عن الرجوع إلى حكام الجور في المسائل الحقوقية أو الجزائية نهيا عاما، وهذا يعني أن من رجع إليهم فقد رجع إلى الطاغوت في حكمه وقد أمر الله أن يكفر به).

ويرى الخميني أن هذا النهج يجب أن يستمر حتى تعطيل الدوائر التي يقوم عليها الحكام الظلمة، لا إلى حين مجيء الحاكم المسلم العادل، بل إلى حين تولى الحكومة الأئمة أو من نصبهم الأئمة للحكم بين الناس. ومعنى ذلك أن حاكم ليس إماما ولم يصبه إمام فهو من حكام الجور (راجع ص 87-88) والخميني يصرح بهذا في (ص88) فهو يستشهد بما يرويه الشيعة من الإمام الصادق من قول: (فإني قد جعلته عليكم حاكما) على أن العلماء المنصبون وهم علماء وفقهاء الشيعة هم الذين يجب أن يتحاكم الناس إليهم دون غيرهم، بل كما يقول الخميني: (ولا يحق لهم الرجوع إلى غيره) (ص88) أي غير هذا الفقيه الشيعي.

ويعتبر الخميني أن ترك الفقهاء الشيعة الذين يعلمون أقوال الأئمة ويحفظونها، والرجوع في القضاء والإحكام إلى القضاء والحكام من غير الشيعة، (يعتبره رجوعا إلى الطاغوت) (ص92).