الحسن سلم الإمامة لمعاوية

تمثّل قضية تنازل الحسن بن علي عن الإمامة وتسليمها لمعاوية واحدة من أخطر الإشكالات العقدية في مذهب الشيعة الضالّة، إذ تكشف عن اضطراب عميق في مفهوم الإمامة والعصمة الذي يقوم عليه مذهبهم. فالشريف المرتضى، وهو من أكبر منظّري العقيدة الشيعية، يقرّ صراحة في كتابه تنزيه الأنبياء بأن الحسن خلع نفسه من الإمامة، وبايع معاوية، وأخذ عطاياه، وأظهر موالاته، بل وخاطب الناس مقرًّا بأن معاوية نازعه حقًا يراه ثابتًا له ثم تركه اختيارًا.

ورغم هذا الإقرار الواضح، يحاول المرتضى ومن سار على نهجه تبرير هذا التنازل بتسويغٍ يقوم على قاعدة خطيرة، وهي: وجوب تصحيح كل فعل للإمام المعصوم وإن جهل وجهه أو نفرت منه النفوس. وبهذا المنهج لا تعود العصمة حفظًا من الخطأ، بل تتحول إلى أداة لتعطيل العقل وإلغاء المحاسبة، إذ يصبح كل فعل – ولو ناقض أصل الإمامة – محمولًا على “الحكمة الخفية”.

إن هذا النص يكشف بوضوح أن تنازل الحسن لم يكن اضطرارًا عسكريًا فقط، بل خلعًا صريحًا للإمامة كما عبّر المرتضى نفسه، وهو ما يوقع الشيعة الضالّة في مأزق عقدي حاد:

فإمّا أن يكون التنازل حقًا، فتسقط دعوى حصر الإمامة الإلهية.

وإمّا أن يكون باطلًا، فتسقط العصمة.

ولا مخرج لهم من هذا الإلزام.

(مسألة):

فإن قال قائل: ما العذر له في خلع نفسه من الإمامة وتسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره وبعده عن أسباب الإمامة وتعريه من صفات مستحقها، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصلاته وإظهار موالاته والقول بإمامته، هذا مع وفور أنصاره واجتماع أصحابه ومتابعيه من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذل المؤمنين وعاتبوه في وجهه عليه السلام؟

(الجواب): قلنا قد ثبت إنه عليه السلام الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة والأدلة القاهرة، فلابد من التسليم لجميع أفعاله وحملها على الصحة، وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفوس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا. وبعد، فإن الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه بيانا جليا لأن المجتمعين له من الأصحاب وان كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب أكثرهم غلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية وأمرائه من أحب في الأموال من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له (عليه السلام) النصرة وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه، وأحس عليه السلام بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت وقد صرح (عليه السلام) بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة، وقال إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها وإشفاقا على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي، فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله، وهو عليه السلام لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليه السلام ويدعوه إلى طاعته، فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة فيه والمواربة وقال له فيه: لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر واضبط للناس وأكيد للعدو وأقوى على جميع الأحوال مني لبايعتك، لأني أراك لكل خير أهلا.

تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ص221 - 222

وقد أجاب (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي:

 لما قال له سودت وجوه المؤمنين، فقال عليه السلام ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.

تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ص222 - 223

وقد روي إنه عليه السلام لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس ويعلمهم ما عنده في هذا الباب، قام (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور. أيها الناس إنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابلس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين عليه السلام، وان الله قد هداكم بأولنا محمد صلى الله عليه وآله، وأن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وقد رأيت أن أسالمه ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وان ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ص224