تُعدّ مسألة تولية يزيد بن معاوية رضي الله عنهما من أكثر القضايا التاريخية التي استغلتها الفرقة الشيعية الضالّة للطعن في الصحابة الكرام، وعلى رأسهم أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، حيث صوّرت هذه الخطوة على أنها توريثٌ قيصري، وخروجٌ عن مبدأ الشورى، ودليلٌ - بزعمهم - على انحراف مسار الخلافة الإسلامية بعد العهد الراشد.

غير أن هذه الدعوى لا تصمد أمام التحقيق العلمي ولا القراءة المتأنية للوقائع التاريخية، إذ يغفل أصحابها عن السياق السياسي والاجتماعي الذي اتُّخذ فيه قرار ولاية العهد، ويتجاهلون الجهود الكبيرة التي بذلها معاوية رضي الله عنه في إعداد ابنه يزيد إعدادًا علميًا وعمليًا وأخلاقيًا، فضلًا عن المشاورات الواسعة التي جرت مع أهل الحل والعقد في الأمصار الإسلامية، وما صاحب ذلك من بيعةٍ عامةٍ معروفةٍ في كتب التاريخ المعتمدة.

ويهدف هذا المقال إلى تفنيد شبهة “توريث يزيد” تفنيدًا علميًا موثقًا، وبيان حقيقة نشأة هذه الفكرة، وأسبابها، ودوافعها، مع الرد على الروايات المكذوبة والمبالغات التاريخية التي روجتها المصادر المتأخرة المتأثرة بالهوى الرافضي. كما يُبرز المقال التناقض الصارخ لدى الإمامية الذين يطعنون في هذه الولاية، بينما يجعلون التوريث أصلًا عقديًا في منظومتهم الإمامية.

شبهة توليته يزيد من بعده:

 عمل معاوية رضي الله عنه جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية، وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد - انظر ترجمتها في: تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم النساء - (ص397 - 401) – من أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وكان رحمه الله وحيد أبيه، فأحب معاوية رضي الله عنه أن يشب يزيد على حياة الشدة والفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقاً بهذه التقاليد.

 كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية، وذلك لكي يكتسب قدراً من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.

 وعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية رضي الله عنه كان من رواة الحديث - تهذيب التهذيب لابن حجر (10/207) -، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث وبعض أخبار أهل العلم. مثل حديث: من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، وحديث آخر في الوضوء، وروى عنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد عده أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا. البداية والنهاية لابن كثير (8/226-227).

 وقد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت65ه) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب لابن حجر (3/210)، مؤدباً لولده يزيد، وكان دغفل علامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفاً بآداب اللغة العربية.

 هذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة..

 أما عن فكرة ولاية العهد:

 فقد بدأ معاوية رضي الله عنه يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ففكر معاوية في هذا الأمر ورأى إنه أن لم يستخلف ومات ترجع الفتنة مرة أخرى.

 فقام معاوية رضي الله عنه باستشارة أهل الشام في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فجاءت الموافقة من مصر وباقي البلاد وأرسل إلى المدينة يستشيرها وإذ به يجد المعارضة من الحسين وابن الزبير، وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي – عهد الخلفاء الراشدين – (ص147-152) وسير أعلام النبلاء (3/186) والطبري (5/303) وتاريخ خليفة (ص213). إلا أن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قد بايعا فيما بعد طوعاً ليزيد.

 وكان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها، لا على يزيد بعينه.

 ثم كانت سنة وأحد وخمسين هجرية فحج معاوية في الناس وقرأ كتاب الإستخلاف ليزيد على الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم وحلمي لما يكون منكم، ويزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس لكم رأياً، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجيبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك. راجع العواصم من القواصم (ص226-228)، والكامل في التاريخ (2/512).

 واعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليست لها أثر، وأن البيعة قد تمت، حيث أجمعت الأمة على هذه البيعة.

 راجع: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (4/149-151) وقد ذكر كيفية انعقاد البيعة وشروطها فعرضها عرضاً دقيقاً.

 وكانت لتولية معاوية ابنه يزيد ولاية العهد من بعده أسباب كثيرة:

 فهناك سبب سياسي؛ وهو الحفاظ على وحدة الأمة، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلوا بعضها بعضاً، وكان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة وأحد، خاصة والقيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضاً فتقع الفتن والملاحم بين المسلمين مرة ثانية، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى.

 وهناك سبب اجتماعي؛ وهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد.

 وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه، وليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل وأحد منهم فضيلته، وقد توفرت في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة، وكل هذه المزايا جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير..

 وقد سأل معاوية رضي الله عنه ولده يزيد يوماً حينما أنس منه الحرص على العدل وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة بعد توليه الخلافة، فيرد عليه يزيد بقوله: (كنت والله يا أبةِ عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب). ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1 / 375) بسند حسن.

 لمزيد من التفصيل والأسباب التي أدت بمعاوية لأخذ البيعة ليزيد، راجع كتاب: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للأستاذ: محمد بن عبد الهادي الشيباني (ص 126- 136). فقد أجاد الباحث في طرح الموضوع وأفاد..

 وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه الفكرة مواقف شتى، ففيهم المعارض، ومنهم المؤيد، وكانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما أوردته بعض الروايات التاريخية من أن يزيد بن معاوية كان شاباً لاهياً عابثاً، مغرماً بالصيد وشرب الخمر، وتربية الفهود والقرود، والكلاب … الخ. نسب قريش لمصعب الزبيري (ص127) وكتاب الإمامة والسياسة المنحول لابن قتيبة (1/163) وتاريخ اليعقوبي (2/220) وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي (5/17) ومروج الذهب للمسعودي (3/77) وانظر حول هذه الافتراءات كتاب: صورة يزيد بن معاوية في الروايات الأدبية فريال بنت عبد الله (ص86-122).

 ولكننا نرى أن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية، فإضافة إلى ما سبق أن أوردناه عن الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء.

 فيروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية - دخل يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت، فقال له يزيد، وكان له مكرماً: يا أبا القاسم، أن كنت رأيت مني خُلُقاً تنكره نَزَعت عنه، وأتيت الذي تُشير به علي؟ فقال: والله لو رأيت منكراً ما وسعني إلا أن إنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلا خيراً. أنساب الأشراف للبلاذري (5/17).

 كما إنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه والخروج معهم ضده، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: أن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة، قالوا: ذلك كان منه تصنعاً لك، قال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا، قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه، فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء.. الخ. البداية والنهاية (8/233) وتاريخ الإسلام – حوادث سنة 61-80ه – (ص274) وحسن محمد الشيباني إسناده، انظر مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص384). 

 وقد شهد له ابن عباس رضي الله عنه بالفضيلة وبايعه، كما في أنساب الأشراف (4 / 289 – 290) بسند حسن.

 كما أن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، من أمثال عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وأبو أيوب الأنصاري، على مصاحبة جيش يزيد في سيره نحو القسطنطينية، فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة، وتتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات.

 أخرج البخاري عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه إنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام إنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، فقالت أم حرام: قلت يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم قال: لا. البخاري مع الفتح (6/120).

 وأخرج البخاري عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود:

فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي توفي فيها، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم. البخاري مع الفتح (3/73).

 وفي هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم.

 ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد – وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول: أن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر، وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك إنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم. العواصم من القواصم لابن العربي (ص221).

 ونجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام وليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: اللهم أن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله، فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وإنه ليس لما صنعت به أهلاً، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك. تاريخ الإسلام للذهبي – عهد معاوية بن أبي سفيان – (ص169) وخطط الشام لمحمد كرد علي (1/137).

 ويتبين من خلال دراسة هذه الفكرة – وهي ولاية العهد من بعده لابن يزيد -، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقاً فيما ذهب إليه، إذ إنه باختياره لابنه يزيد لولاية العهد من بعده، قد ضمن للأمة الإسلامية وحدتها، وحفظ لها استقرارها، وجنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا المنصب.

 قلت: وقد رأى معاوية رضي الله عنه في ابنه صلاحاً لولاية خلافة الإسلام من بعده وهو أعلم الناس بخفاياه ولو لم يكن عنده مرضياً لما اختاره. وحول مبايعة يزيد بن معاوية رحمه الله بولاية العهد، وحول نشوء هذه الفكرة، وحول كون يزيد أهلاً وكفئ لتوليه الخلافة بعد والده، انظر: مقال بعنوان: مبايعة يزيد بن معاوية بولاية العهد، دراسة تاريخية، للدكتور: عمر سليمان العقيلي، في مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود المجلد.

 والغريب في الأمر أن أكثر من رمى معاوية وعابه في تولية يزيد وإنه ورثّه توريثاً هم الشيعة الروافض، مع إنهم يرون هذا الأمر في علي بن أبي طالب وسلالته إلى اثني عشر خليفة منهم.

 نعم إنا نستطيع أن نقول بأن يزيد بن معاوية هو أول من عهد إليه أبوه بالخلافة؛ ولكن لنتصور أن معاوية رضي الله عنه سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية: -

 1- ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.

 2- نادى في كل مصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائباً ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.

 3-جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.

 ولنأخذ الأمر الأول:-

 كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحداً لخلافة المسلمين حتى توفي.

 أعتقد أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى استقرت الخلافة أخيراً لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.

 ثم لنتصور الأمر الثاني:-

 نادى مناد في كل مصر بأن يرشحوا نائباً عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.

 سيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، بل وربما إنه يزيد، وربما غيره.

 وسيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي رضي الله عنهما.

 وسيختار أهل الحجاز: إما ابن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر، أو ابن الزبير رضي الله عن الجميع.

 وسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

 والسؤال الآن: هل سيرضى كل مصر بولاية وأحد من هؤلاء، ويسلموا له، أم ستكون المعارضة واردة؟!

 الجواب: أعتقد أن المعارضة ستظهر.

 ولنسأل سؤالاً آخر: في حالة إنه تم اختيار كل مرشح من قبل الأمصار، هل يستطيع معاوية أن يلزم كل مصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟!

 الجواب: ستجد الدولة نفسها في النهاية إمام تنظيمات انفصالية، وسيعمد أدعياء الشر الذي قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية، ومن ثم الإفادة منها في أحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.

 ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات، وربما حصل ما أشرنا إليه، وربما حدث العكس من ذلك، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي أحياناً يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.

 لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة، استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له..

 ويبقى الأمر الثالث: وهو ما فعله معاوية رضي الله عنه بتولية يزيد ولياً للعهد من بعده..

 وقد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه، كل من ابن العربي في العواصم من القواصم (ص228-229)، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة، إذ يقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه - وحينئذ من بني أمية - ثم يضيف قائلاً: وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه. المقدمة لابن خلدون (ص210-211).

 ويقول في موضع آخر:

 عهد معاوية إلى يزيد، خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه، مع أن ظنهم كان به صالحاً، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يظن بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه، وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا لله لمعاوية من ذلك. المقدمة (ص206). وانظر أقوالاً أخرى لمؤرخين وباحثين يثنون على هذه الخطوة، من أمثال: محمد علي كرد في كتابه: الإسلام والحضارة الغربية (2 / 395)، وإبراهيم شعوط في: أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ (ص 334)، ويوسف العش في: الدولة الأموية (ص 164)، ومقال للدكتور: عمارة نجيب في مجلة الجندي المسلم (ص 58). لمزيد تفصيل في هذا الموضوع، راجع كتاب: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية (ص 141 – 153).

 وليس أفضل - قبل أن ننتقل إلى شبهة أخرى - من أن نشير إلى ما أورده ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم (ص 231) من رأي لأحد أفاضل الصحابة في هذا الموضوع، إذ يقول: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استخلف يزيد بن معاوية، فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقهاً، ولا أعظمها فيها شرفاً؟ قلنا: نعم، قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلى من أن تفترق.