ادعاء التيجاني في مقتل حجر بن عدي والردّ العلمي عليه: حقيقة القصة بين التاريخ والافتراء الشيعي
كثُرت في السنوات الأخيرة كتابات بعض رموز الشيعة الإمامية، وعلى رأسهم أحمد حسين التيجاني، التي تقوم على تحريف الوقائع التاريخية وبتر النصوص وتضخيم الروايات الضعيفة، بغرض الطعن في كبار الصحابة رضي الله عنهم، وتشويه صورة الدولة الأموية، وعلى رأسها الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
ومن أبرز هذه الدعاوى الباطلة، ما يروّجه التيجاني من أن سبب قتل حجر بن عدي الكندي رضي الله عنه كان رفضه سبّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن معاوية هو من أمر بقتله لهذا السبب، وهي دعوى تفتقر إلى الدليل الصحيح، وتعتمد في أصلها على روايات شيعية متأخرة، مليئة بالكذب والهوى والتناقض.
إن المنهج الشيعي في قراءة التاريخ الإسلامي ليس منهج تحقيق ولا نقد، بل هو منهج انتقائي قائم على تسخير الروايات لخدمة المعتقد الإمامي، ولو على حساب الحقائق الثابتة، بل ولو استلزم ذلك اتهام كبار الصحابة بالظلم والفساد وسفك الدماء بغير حق.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يهدف إلى تفكيك دعوى التيجاني حول مقتل حجر بن عدي، وبيان حقيقتها من خلال أقوال أهل العلم، والمصادر التاريخية المعتبرة، مع كشف التناقض الصارخ في خطاب الشيعة، الذين يندبون حجرًا، ويبرّرون في الوقت نفسه حروب علي رضي الله عنه التي قُتل فيها آلاف المسلمين.
هذا المقال ليس دفاعًا عن الأشخاص بقدر ما هو دفاع عن المنهج السني القائم على العدل والإنصاف، ورفض تحويل التاريخ إلى أداة للطعن العقدي، أو وسيلة لإعادة إنتاج الفتنة بين المسلمين
يقول التيجاني:
((ولمّا استاء لذلك بعض الصحابة واستنكر هذا الفعل أمر معاوية بقتلهم وحرقهم وقد قتل من مشاهير الصحابة حجر بن عدي الكندي واصحابه ودفن بعضهم أحياءً لأنهم امتنعوا عن لعن علي واستنكروه))، ويقول في موضع آخر ((كيف يحكمون بإجتهاده وقد قتل حجر بن عدي وأصحابه صبراً ودفنهم في مرج عذراء ببادية الشام لأنهم امتنعوا عن سب علي بن أبي طالب))، فأقول:
1- اختلف الناس في صحبة حجر بن عدي (المشهور)! فعدّه البخاري وآخرون من التابعين، وعده البعض الآخر من الصحابة.
2- لم يقتل معاوية حجراً لإنه امتنع عن سب عليّ، فهذا تخرّص واضح والذي ذكره المؤرخون في سبب مقتل حجر بن عدي هو أن زياد أمير الكوفة من قبل معاوية قد خطب خطبة أطال فيها فنادى حجر بن عدي الصلاة فمضى زياد في الخطبة فما كان من حجر إلا أن حصبه هو وأصحابه فكتب زياد إلى معاوية ما كان من حجر وعدّ ذلك من الفساد في الأرض وقد كان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولّى الكوفة قبل زياد، فأمر أن يسرح إليه فلما جيء به إليه أمر بقتله، وسبب تشدد معاوية في قتل حجر هو محاولة حجر البغي على الجماعة وشق عصا المسلمين واعتبره من السعي بالفساد في الأرض، وخصوصاً في الكوفة التي خرج منها جزء من أصحاب الفتنة على عثمان فإن كان عثمان سمح بشيء من التسامح في مثل هذا القبيل الذي انتهى بمقتله، وجرّ على الأمة عظائم الفتن حتى كلّفها ذلك من الدماء إنهاراً، فإن معاوية أراد قطع دابر الفتنة من منبتها بقتل حجر، والغريب أن هذا التيجاني يصيح من أجل قتل حجر ولا يعترض على عليٍّ عندما قاتل الخارجين على خلافته في الجمل وصفين، والتي تسببت في مقتل خيار الصحابة إضافة إلى الآلاف من المسلمين، مع أن السبب وأحد وهو الخروج على سلطة الخليفة!!
قتله حِجْربن عدي وأصحابه:
والجواب:
تحدثت معظم المصادر التاريخية عن مقتل حجر بن عدي رضي الله عنه بين مختصر في هذا الأمر ومطول كل بحسب ميله، وكان للروايات الشيعية النصيب الأوفر في تضخيم هذا الحدث ووضع الروايات في ذلك؛ وكأنه ليس في أحداث التاريخ الإسلامي حدث غير قصة مقتل حجر بن عدي.. هذا ونظراً لقلة الروايات الصحيحة عن حركة حجر بن عدي، ولكون هذه الروايات لا تقدم صورة متكاملة عن هذه القضية.. لذا فلن أتطرق للحديث عنها بقدر ما سيكون الحديث منصباً على السبب الذي جعل معاوية رضي الله عنه يقدم على قتل حجر بن عدي والدوافع التي حملته على ذلك..
كان حجر بن عدي من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وممن شهد الجمل وصفين معه. وحجر هذا مختلف في صحبته، وأكثر العلماء على إنه تابعي، وإلى هذا ذهب كل من البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط وابن حبان وغيرهم، ذكروه في التابعين وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة. انظر ترجمته في الإصابة (2/ 31- 34).
ذكر ابن العربي في العواصم بأن الأصل في قتل الإمام، إنه قَتْلٌ بالحق فمن ادعى إنه بالظلم فعليه الدليل، ولكن حجراً فيما يقال: رأى من زياد أموراً منكرة، حيث أن زياد بن أبيه كان في خلافة علي والياً من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئاً، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعاً بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد، فقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أن زياد قد أطال في الخطبة فقام حجر ونادى: الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر وحصبه آخرون معه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعدّ ذلك من الفساد في الأرض، فلمعاوية العذر، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجراً حتى نلتقي عند الله، وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين. انظر هذا الخبر بالتفصيل في العواصم من القواصم لابن العربي (ص 219-220) بتحقيق محب الدين الخطيب وتخريج محمود الإستانبولي مع توثيق مركز السنة.
وأما قضاء معاوية رضي الله عنه في حجر رضي الله عنه وأصحابه، فإنه لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي رضي الله عنه كما تزعم بعض الروايات الشيعية.
انظر: تاريخ الطبري (5/256- 257 و275).
بل استخار الله سبحانه وتعالى فيهم، واستشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم..
والحجة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسناد حسن، قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو المغيرة – ثقة – قال: حدثنا ابن عياش – صدوق – قال: حدثني شرحبيل بن مسلم – صدوق – قال: لما بُعِث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت، فدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إلا إنا بحصن من الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق إلا وأنت الراعي ونحن الرعية، إلا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿ سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾[ البقرة /285].
فقال معاوية:
أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية. ثم قام المنادي فنادى: أين أبو مسلم الخولاني، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، أن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك وإن سبقناك نظرناك، ثم جلس.
ثم قام المنادي فقال: أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق، أن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفو فقد أحسنت.
فقام المنادي فنادى: أين عبد الله بن أسد القسري، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، أن تعاقبهم فقد جنوا أنفسهم العقوبة، وإن تعفوا فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين لا تطع فينا من كان غشوماً ظلوماً بالليل نؤوماً، عن عمل الآخرة سؤوماً. يا أمير المؤمنين أن الدنيا قد انخشعت أوتارها، ومالت بها عمادها وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها ثم جلس. فقلت – القائل هو: اسماعيل بن عياش – لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضاً واستحيى بعضاً، وكان فيمن قتل حجر بن عدي بن الأدبر. انظر الرواية في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (2/ 328 – 331).
ومما يجدر التذكير به في هذا المقام أن معاوية رضي الله عنه لم يكن ليقضي بقتل حجر بن عدي رضي الله عنه لو أن حجراً اقتصر في معارضته على الأقوال فقط ولم ينتقل إلى الأفعال.. حيث إنه ألّب على عامله بالعراق، وحصبه وهو على المنبر، وخلع البيعة لمعاوية وهو آنذاك أمير المؤمنين.. ولكن حجراً رضي الله عنه زين له شيعة الكوفة هذه المعارضة، فأوردوه حياض الموت بخذلانهم إياه.. ولا ننسى موقف شيعة الكوفة مع الحسين رضي الله عنه، حين زينوا له الخروج ثم خذلوه كما خذلوا حجراً من قبله، فآنا لله وآنا إليه راجعون..
وقد اعتمد معاوية رضي الله عنه في قضائه هذا بقتل حجر بن عدي، على قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل وأحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه).
صحيح مسلم بشرح النووي (12 / 242).
وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون هنات – أي فتن – وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان).
صحيح مسلم بشرح النووي (12 / 241).
ولو سلمنا أن معاوية أخطأ في قتل حجر؛ فإن هذا لا مطعن فيه عليه، كيف وقد سبق هذا الخطأ في القتل من اثنين من خيار الصحابة؛ هما: خالد بن الوليد وأسامة بن زيد رضي الله عنهما.
أما قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع بني جذيمة، وقولهم صبأنا بدلاً من أسلمنا، فرواها البخاري في صحيحه برقم (4339) من حديث عبد الله بن عمر.. وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)..
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (13 / 194):
وقال الخطابي: الحكمة من تَبرُّئه صلى الله عليه وسلم من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهداً، أن يعرف إنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد إنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله.. ثم قال: والذي يظهر أن التبرأ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود.
وقصة أسامة بن زيد رضي الله عنه مع الرجل الذي نطق بالشهادتين، وقتل أسامه له بعد نطقها، في الصحيحين البخاري برقم (4269، 6872) ومسلم برقم (96).. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟).. الحديث
وكل ما جرى من أسامة وخالد ناتج عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم.
(كتب البحث: الشيخ أبو عبدالله الذهبي - وفقه الله -)