تُعَدُّ دعوى لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر بأمرٍ من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما من أشهر الفرَى التي روّجتها الفرقة الرافضية للطعن في الصحابة، وتشويه العهد الأموي، وبثّ العداوة في تاريخ الأمة الإسلامية. وقد تَلَقَّفَ بعضُ المتأخرين هذه الدعوى دون تمحيص، حتى تسللت إلى بعض كتب التاريخ، وتناقلها الناس كأنها حقيقة مسلَّم بها، مع أنها عند التحقيق العلمي لا تقوم على دليل صحيح، ولا تثبت بنقل موثوق.

إن هذه الفرية تقوم في أصلها على أخبار واهية، وأسانيد ساقطة، أغلبها مرويٌّ عن متهمين بالكذب والوضع، كأبي مخنف لوط بن يحي، ومن دونه من الإخباريين المتروكين، الذين عُرفوا بالتشيّع والغلو، وتلقّف أخبارهم من جاء بعدهم دون نقدٍ ولا فحص. ثم أُلبست هذه الروايات ثوب “الإجماع التاريخي” بعبارات فضفاضة من قبيل: «ذكر المؤرخون» أو «طفحت به كتب التاريخ»، دون عزوٍ علمي ولا توثيقٍ معتبر.

والنظر المنهجي المنصف يقطع بأن هذه الدعوى لا تستقيم مع ما ثبت من سيرة معاوية رضي الله عنه، ولا مع ما شهد له به الصحابة والتابعون من الحلم، والعدل، وحسن السياسة، وتعظيمه لأهل بيت النبي ﷺ، وإقراره بفضل علي رضي الله عنه وسبقه. كما أنها تتناقض مع أصول الشريعة القطعية التي تحرّم سبّ المسلم ولعنه، فكيف بلعن أحد كبار الصحابة وأهل بيت النبي ﷺ على رؤوس الأشهاد؟!

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يهدف إلى تفنيد هذه الفرية تفنيدًا علميًا، من خلال نقد أسانيدها، وبيان تناقضها مع الثابت من سيرة معاوية رضي الله عنه، وشرح النصوص التي يُساء الاستدلال بها – وعلى رأسها حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم – وبيان فهم أهل العلم لها، لإظهار زيف هذه الدعوى، وكشف حقيقة ما روّجته الفرقة الرافضية من أباطيل لا تصمد أمام البحث والتحقيق.

 

شبهة لعن علي على المنابر بأمر من معاوية - رضي الله عنهما:

 والجواب: أن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية رضي الله عنه بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة ودخلت على كتب أهل السنة كانها حقيقة لا شك فيها.. وبل وظلم العهد الأموي بها.. ولقد تبين لي بعد النظر في الأسباب الداعية لذلك أن أبرز تلك الأسباب التي دعت بعض الناس، أو الطوائف لتشويه هذا العهد هو التعصب للمذهب والآراء ومحاولة التشهير بالآخرين..

 وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه ببغض معاوية رضي الله عنه، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم: (كما ذكر ذلك المؤرخون) أو (وكتب التواريخ طافحة بذلك) إلى غيرها من الترهات.. ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين..

 ومعاوية رضي الله عنه منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية رضي الله عنه كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير.. وقد تقدم معنا في حلقات مضت الكثير من فضائل هذا الصحابي الجليل العامة والخاصة فلتراجع للأهمية..

 ونقول بعد مراجعة تلك الفضائل وأقوال أهل العلم في معاوية رضي الله عنه: إذا ثبت هذا في حق معاوية، فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر وهو من هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال!! وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) السنة لابن أبي عاصم برقم (82 – 84).

 ومن علم سيرة معاوية رضي الله عنه في الملك وما اشتهر به من الحلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه.

 ولا شك أن هذه الحكاية لا تتفق أبداً مع منطق الحوادث، ولا طبيعة المتخاصمين، وإن الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية لم تذكر شيئاً من ذلك أبداً، وإنما هي من كتب المتأخرين، مثل:

 1- كتاب تاريخ الطبري (5/71) عن أبي مخنف.

 2- تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص285).

 3- الكامل لابن الأثير (2/397). وغيرهم ممن كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس..

 وهذا العمل إنما كان بقصد - من بعضهم - أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية، ويعلنوا للعلويين أن اضطهاد العباسيين للعلويين لم يبلغ القدر الذي ارتكبه الأمويون من قبل.

 ثم كيف يسمح معاوية رضي الله عنه بذلك؟! وهو الذي لم يصح عنه أبداً إنه سبّ علياً أو لعنه مرة وأحدة، فضلاً عن التشهير به على المنابر!!..

 وقد علق ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (7/284) على قصة لعن علي رضي الله عنه على المنابر بعد القنوت، بقوله: ولا يصح هذا..

 ثم لنا أن نتساءل أيضًا لمإذا يُعن بنو أمية بسب علي رضي الله عنه وهم الغالبون المنتصرون؟

 وما يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على إنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين؟

 وهل يكون هذا الحكم غائباً عن معاوية رضي الله عنه ومن أتى بعده من بني أمية؟

 وكيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه: من أكرم الناس أبا وأماً وجداً وجدة؟ فقالوا: أمير المؤمنين أعلم.. فأخذ بيد الحسن وقال: هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدته خديجة رضي الله عنها.

 وأما ما قيل من أن علياً كان يلعن في قنوته معاوية وأصحابه، وأن معاوية إذا قنت لعن علياً وابن عباس والحسن والحسين، فهو غير صحيح لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكثر حرصاً من غيرهم على التقيّد بأوأمر الشارع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه.

 وقد قال صلى الله عليه وسلم: من لعن مؤمناً فهو كقتله. صحيح البخاري مع الفتح (10/479).

 وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة. صحيح الجامع (2/1283).

 ثم أن هذا الأثر – قصة لعن علي على منابر بني أمية - مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد وهو المدائني فيه ضعف. وشيخه لوط بن يحي (أبو مخنف) ليس بثقة متروك الحديث وإخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل. انظر: السير (7/302) والميزان (3/419). وفي سندها أيضًا أبو جناب الكلبي، ضعيف، راجع هذه الرواية الطويلة الملفقة في تاريخ الطبري (5 / 71).

 ثم أن هذا الأثر، وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل.. يشير إلى أن علياً رضي الله عنه كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم!! فمإذا لم يتحدثوا عن هذه؟!!

 وأما ما سوى هذه الرواية، فهي شبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدق به أهل البدع والأهواء، وسيتم الرد عليها بعد قليل أن شاء الله..

 الشبهة الأولى: ما جاء في صحيح مسلم (برقم 2404) عن عأمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه لأن تكون لي وأحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: خلفه في مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا إنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية ﴿ قل تعالوا ندعُ أبناءكم.. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

 الجواب: هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعداً بسب علي، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب علي، فأجابه سعداً عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه ولا عاقبه..

 كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالماً يجبر الناس على سب علي كما يدعون، لما سكت عن سعد ولأجبره على سبه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم إنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك..

 يقول النووي رحمه الله في ذلك:

قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بإنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كانه يقول: هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك. فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وإنه أخطأ.

شرح صحيح مسلم (15 / 175).

 وقال القرطبي في المفهم (6 / 278):

(وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه).

 والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية رضي الله عنه إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه، فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً فطناً ذكياً يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي رضي الله عنهما، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير..

 وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس: أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الإبانة الكبرى لابن بطة (1 / 355).

 وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعى الرافضة من الأمر بالسب، فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك.

 والمانع من هذا عدة أمور:-

 الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب علياً رضي الله عنه، فكيف يأمر غيره بسبه؟ بل كان معظماً له معترفاً له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.

 قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم إنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني.. البداية والنهاية (8 / 132). 

 ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له أمرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. نفس المصدر (8 / 133).

 الثاني: إنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي الله عنه بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.

 الثالث: أن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً ذكياً، مشهور بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي وحاشاه من ذلك، أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلاً!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلاً وتدبيراً، فكيف بمعاوية؟!!

 الرابع: أن معاوية رضي الله عنه انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية رضي الله عنه الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.

 الخامس: إنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وابناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور وفي كتب السير والتاريخ..

 ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن: ولم تعط أحد أفضل منا. البداية والنهاية (8 / 139).

 ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحباً وأهلاً بابن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بثلاثمائة ألف. المصدر نفسه (8 / 140).

 وهذا مما يقطع بكذب ما ادعي في حق معاوية رضي الله عنه من حمله الناس على سب علي رضي الله عنه، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم..