يا سارية الجبل
فضيحة الروايات الموضوعة عند الشيعة ونسبة علم الغيب لغير الأنبياء
من أخطر أبواب الانحراف العقدي أن تُنسب الكرامات والخوارق إلى غير الأنبياء بغير دليلٍ صحيح، وأن يُجعل الغيب مجالًا مفتوحًا للروايات القصصية التي لا زمام لها ولا خطام. وقد ابتُليت بعض الفرق الإسلامية – وعلى رأسها الشيعة الإمامية – بنقل أخبارٍ عجيبةٍ تُضفي على أئمتهم وأتباعهم صفاتٍ لا تثبت إلا للأنبياء، كالإحاطة بالمغيبات، وسماع الأصوات من وراء الحجب، والتصرف في الوقائع البعيدة.
ومن أشهر هذه القصص ما يُعرف بحكاية «يا سارية الجبل»، التي حُشيت بتفاصيل خيالية في بعض المصادر الشيعية، حيث يُصوَّر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه – بزعمهم – أنه أرى عمر بن الخطاب الجيوش في نهاوند، وأن صوته بلغ القائد سارية على بُعد آلاف الأميال، في مشهدٍ يخلط بين الكرامة المزعومة والوحي، وبين الإلهام وعلم الغيب.
ويهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الروايات، وبيان تناقضها مع أصول الإسلام، وإظهار أنها ليست إلا أحاديث موضوعة وخرافات غالية، استُخدمت لترسيخ الغلو العقدي، ونسبة ما لا يليق إلا بالأنبياء إلى غيرهم، وهو ما يبرهن على انحراف المنهج الشيعي في باب الغيب والكرامات.
الروايات الموضوعة:
الثامن والثلاثون ومائتان أنه - عليه السلام - أرى عمر بن الخطاب الجيوش التي في نهاوند مع سارية وأن يبلغ صوته إليهم 360 - الحضيني في هدايته: بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا بين يدي أمير المؤمنين - عليه السلام - في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وآله - إذ دخل عمر بن الخطاب، فلما جلس قال للجماعة: إن لنا سرا فخففوا رحمكم الله، فتهيزت وجوهنا وقلنا له: ما هكذا كان يفعل بنا رسول الله - صلى الله عليه وآله - و لقد كان يأتمننا على سره، فما بالك أنت لما وليت أمور المسلمين تسترت بنقاب رسول الله - صلى الله عليه وآله؟! فقال للناس أسرار لا يمكن إعلانها بين الناس، فقمنا مغضبين وخلا بأمير المؤمنين - عليه السلام - مليا، ثم قاما من مجلسهما حتى رقيا منبر رسول الله جميعا. فقلنا: الله أكبر أترى لابن حنتمة رجع عن طغيانه وغيه ورقى المنبر مع أمير المؤمنين - عليه السلام - ليخلع نفسه ويثبته [ له ] فرأينا أمير المؤمنين - عليه السلام - وقد مسح بيده على وجهه، ورأينا عمر يرتعد ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم صاح ملء صوته: يا سارية الجبل الجبل، ثم لم يلبث (إلى) أن قبل صدر أمير المؤمنين ونزلا وهو ضاحك، وأمير المؤمنين - عليه السلام - يقول له: يا عمر افعل ما زعمت أنك فاعله وإن كان لا عهد لك ولا وفاء، فقال [ له ]: امهلني يا أبا الحسن حتى أنظر ما يرد من خبر سارية وهل ما رأيته صحيحا أم لا؟ فقال له أمير المؤمنين - عليه السلام -: ويحك إذا صح ووردت أخباره عليك بتصديق ما عاينت ورأيت وأنهم قد سمعوا صوتك ولجأوا إلى الجبل كما رأيت هل أنت مسلم ما ضمنت؟ قال: لا يا أبا الحسن ولكني أضيف هذا إلى ما رأيت منك ومن رسول الله - صلى الله عليه وآله - والله يفعل ما يشاء [ ويختار ].
مدينة المعاجز لهاشم البحراني الجزء الثاني ص14 - 15
520 - 5 الكافي، 1 / 271 / 4 / 1 علي عن العبيدي عن يونس عن رجل عن محمد قال: ذكر المحدث عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام فقال ﴿إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص فقلت له أصلحك اللَّه كيف يعلم أنه كلام الملك قال إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك﴾.
بيان:
جملة القول في تحقيق حصول العلم في قلوب المستعدين له أن حقائق الأشياء كلها مسطورة في اللوح المحفوظ وإنما تفيض على قلوبنا من ذلك العالم بواسطة القلم العقلي الكاتب في ألواح نفوسنا كما قال عز وجل ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ﴾ (1) وقال سبحانه ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (2) وقلب الإنسان صالح لأن ينتقش فيه العلوم كلها وهو كمرآة مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الحق في الأمور كلها من اللوح المحفوظ وإنما خلي عما عنه من العلوم إما لنقصان في ذاته كقلب الصبي وهو يشبه نقصان صورة المرآة كجوهر الحديد قبل أن يصيقل.
أو لكثرة المعاصي والخبث الذي تراكم عليه من كثرة الشهوات المانعة من صفائه وجلائه وهذا يشبه خبث المرآة وصداها أو لعدوله عن جهة الحقيقة المطلوبة لاستيعاب همه بتهيئة أسباب المعيشة وتفصيل الأعمال البدنية المانعة من التأمل في الحضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه وهذا يشبه كون المرآة معدولا بها عن جهة الصورة أو لحجاب بينه
وبين المطلوب من اعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول بينه وبين حقائق الحق ويمنع أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد.
وهذا يشبه الحجاب المرسل بين المرآة وبين الصورة المطلوب (1) رؤيتها أو لجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم المطلوب إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا ذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا حصل له المطلوب فإذا لم يكن عنده العلوم المناسبة لذلك لم يحصل له المطلوب وهذا يشبه الجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة.
فهذه هي الأسباب المانعة لإدراك الحقائق ثم إن العلوم التي ليست ضرورية إنما تحصل في القلب تارة بالاكتساب بطريق الاستدلال والتعلم ويسمى اعتبارا واستبصارا ويختص به العلماء والحكماء وتارة بهجومه على القلب كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري سواء كان عقيب طلب وشوق أو لا وسواء كان مع الاطلاع على السبب الذي منه استفيد ذلك العلم أو لا فإنه قد يكون بمشاهدة الملك الملقي في القلب وسماع حديثه وقد يكون بمجرد السماع من غير مشاهدة وقد يكون بنفثة في الروع من غير سماع ينكت في القلب نكتا أو يلهم إلهاما.
وقد يكون ذلك الهجوم في النوم كما يكون في اليقظة والمشاهدة تختص بالأنبياء والرسل صلّى الله عليه وآله وسلّم وخص باسم الوحي عرفا وغيرها قد يكون لغيرهم وكما أن الحجاب بين المرآة والصورة يزال تارة تعمل اليد المتصرفة وتارة بهبوب ريح تحركه فكذلك استفادة العلوم بالقلم الإلهي للإنسان قد تكون بقوة فكرته المتصرفة في تجريد الصور عن الغواشي والانتقال من بعضها إلى بعض وقد تهب رياح الألطاف الإلهية فتكشف الحجب والغواشي عن عين بصيرته فيتجلى
فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الأعلى فيكون تارة عند المنام فيظهر به ما سيكون في المستقبل (1).
وتارة ينقشع الحجاب بلطف خفي من اللَّه فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب أسرار الملكوت في اليقظة فربما يدوم وربما يكون كالبرق الخاطف ودوامه في غاية الندور فلم يفارق الإلهام وحديث الملك الاكتساب في العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه في طريقه زوال الحجاب وجهته ولم يفارق الوحي الإلهام والحديث في شيء من ذلك بل في شدة الوضوح والنورية ومشاهدة الملك المفيد للعلم والكل مشتركة في أنها بواسطة الملك الذي هو القلم كما قال عز وجل ﴿ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (2) ولعل الإشارة إلى هذه المراتب الثلاث في قوله سبحانه ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ﴾ (3).
قال بعض العلماء السر في اطلاع النبي على الملك الموحي دون غيره أنه لما صقل روحه بصقالة العقل للعبودية التامة وزالت عنه غشاوة الطبيعة ورين المعصية بالكلية وكانت نفسه قدسية شديدة القوى قوية الإنارة لما تحتها لم يشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين وتسع الجانبين ولا يستغرقها حسها الباطن عن حسها الظاهر فإذا توجهت إلى الأفق الأعلى وتلقت أنوار المعلومات بلا تعليم بشري من اللَّه يتعدى تأثيرها إلى قواها وتتمثل صورة ما تشاهده لروحها البشري ومنها إلى ظاهر الكون فتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع والبصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة وألطفها فيرى شخصا محسوسا ويسمع كلاما منظوما في غاية الجودة والفصاحة أو يرى صحيفة مكتوبة.
فالشخص هو الملك النازل الحامل للوحي الإلهي والكلام هو كلام اللَّه والكتاب كتابه وقد نزل كل منها من عالم الأمر القولي القضائي وذاته الحقيقة
وصورته الأصلية إلى عالم الخلق الكتابي القدري في أحسن صورة وأجمل كسوة كتمثل جبرئيل عليه السّلام لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم في صورة دحية بن خليفة الكلبي الذي كان أجمل أهل زمانه ويقال ما رآه في صورته الحقيقية إلا مرتين وذلك أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم سأله أن يراه نفسه على صورته فواعده ذلك بحراء فطلع له جبرئيل عليه السّلام فسد الأفق من المشرق إلى المغرب وفي رواية كان له ستمائة جناح ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى.
الوافي للكاشاني ج 2 ص 73 – 79