هل يرتد المؤمن

تُعدّ مسألة الردة من القضايا العقدية الكبرى التي تناولها القرآن الكريم بوضوحٍ لا لبس فيه، حيث أثبت وقوعها من بعض من آمن ثم كفر، وبيّن أحكامها وآثارها الدنيوية والأخروية. غير أن المتأمل في كتب العقيدة والتفسير عند الشيعة الإمامية يفاجأ بإنكارٍ صريح لإمكان ارتداد المؤمن “على الحقيقة”، بزعم أن من عرف الله معرفةً صحيحة لا يمكن أن يكفر بعد ذلك.

وقد قرّر شيخ الطائفة الطوسي هذا الأصل في تفسيره التبيان، فحمل آيات الردة على المنافقين، أو على من أظهر الإيمان دون حقيقته، أو على من “كاد” يدخل في الإيمان، في محاولةٍ لصرف النصوص القرآنية عن ظاهرها، حمايةً لأصلٍ كلاميٍّ مسبق لا دليل عليه من الوحي.

ويهدف هذا المقال إلى مناقشة هذه الدعوى، وبيان تعارضها الصريح مع نصوص القرآن المحكمة، وكشف التناقض المنهجي في تفسير الآيات، حيث يُؤوَّل النص إذا خالف المذهب، ويُترك ظاهره بلا دليل، وهو مسلك يُفضي إلى تعطيل دلالات القرآن لصالح أصول كلامية محدثة.

قال الحسن:

 هذا مثل ضربه الله للكافر آتاه الله آيات دينه ﴿فانسلخ منها يقول اعرض عنها وتركها ﴿فاتبعه الشيطان خذله الله وخلى عنه وعن الشيطان، وهو مثل قوله تعالى " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله " أي كتب على الشيطان انه من تولى الشيطان فان الشيطان يضله....... والوجه الذي قاله الحسن يليق بمذهبنا دون الذي قاله الجبائي، لأن عندنا لا يجوز أن يرتد المؤمن الذي عرف الله على وجه يستحق به الثواب.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي الجزء الخامس ص31 - 32

وقوله: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات إنما أضاف إخراجهم " من النور " الذي هو الإيمان إلى الكفر إلى الطاغوت، لما كان ذلك بإغوائهم، ودعائهم، وإنما كفروا عند ذلك، فأضاف ذلك إليهم، فهو عكس الأول. فان قيل: كيف ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات﴾ وما دخلوا فيه؟ قلنا عنه جوابان:

 أحدهما - إن ذلك يجري مجرى قولهم: أخرجني والدي من ميراثه. ولم يدخل فيه، وإنما ذلك لأنه لو لم يفعل ما فعل، لدخل فيه، فهو لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أخرج منه. قال الغنوي: فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلي فقد عادت لهن ذنوب ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك.

والوجه الثاني - قال مجاهد: إنه في قوم ارتدوا عن الإسلام، والأول أليق بمذهبنا، لأن عندنا لا يجوز أن يرتد المؤمن على الحقيقة..

التبيان في تفسير القرآن للطوسي الجزء الثاني ص314 - 315

ثم قال ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي رجعوا عن الحق والإيمان ﴿من بعد ما تبين لهم الهدى أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة. وليس في ذلك ما يدل على أن المؤمن على الحقيقة يجوز أن يرتد، لأنه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع عن إظهار الإيمان بعد وضوح الأمر فيه وقيام الحجة بصحته.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي الجزء التاسع ص303