الخُمس عند الشيعة الإمامية
يمثّل باب الخُمس عند الشيعة الإمامية نموذجًا صارخًا لتحويل النصوص الشرعية من أحكامٍ منضبطة بكتاب الله إلى منظومة مالية مغلقة تُدار بالظنون، وتُسوَّغ بالعواطف، وتُحصر سلطتها في يد الفقيه والمرجع.
فبعد أن أقرّ كبار مفسريهم المتقدمين بأن الخُمس إنما ورد في القرآن خاصًّا بغنائم الحرب، انتقل الفقه الإمامي المتأخر إلى مرحلة أخطر، وهي الاستدلال بدعوى (العلم برضا الإمام الغائب (لتبرير التصرف في أمواله، ثم لم يلبث أن سحب هذا الحق من عامة الشيعة وحصره في الفقيه وحده، بزعم النيابة والولاية.
وتكشف النصوص المنقولة عن الجواهري، والنراقي، والأنصاري، ومن بعدهم، كيف جرى تليين الحكم أولًا بإشاعة أن الإمام راضٍ عن الصرف في الفقراء ووجوه البر، ثم التراجع العملي عن هذا القول عند تعلّق الأمر بالسلطة المالية، حيث اشترطوا الإذن المسبق، والاستجازة التفصيلية، بل وأبطلوا كل تصرف بغير إذن المرجع، ولو كان في أشدّ الضرورات.
ومن منظور أهل السُّنّة والجماعة، فإن هذا المسار لا يُعدّ خلافًا فقهيًا فحسب، بل انحرافًا أصوليًا خطيرًا، قائمًا على تقديم الظنّ والعاطفة والروايات المرسلة على النص القرآني القطعي، وتحويل العبادة المالية إلى أداة نفوذ، وهو ما يندرج ضمن سمات الفرق الضالّة التي غيّرت الأحكام لتكريس سلطة دينية ومالية لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة.
العلم برضا الإمام الغائب:
ومن أقوالهم في هذا الباب والتي بها يمهدون للأمر مدغدين للعواطف، قول الجواهري: (لكن قد عرفت بحمد الله تعالى وضوح السبيل في مصرف حق غير الإمام، وإن اضطرب فيه من عرفت، وأما حقه عليه السلام فالذي يجول في الذهن، أن حسن الظن برأفة مولانا صاحب الزمان روحي لروحه الفداء يقضي بعدم مؤاخذتنا في صرفه على المهم من مصارف الأصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة، بل ولا في صرفه في غير ذلك من مصارف غيرهم مما يرجح على بعضها وإن كان هم أولى وأولى عند التساوي، أو عدم وضوح الرجحان، بل لا يبعد في النظر تعين صرفه فيما سمعت بعد البناء على عدم سقوطه، إذ غيره من الوصية به أو دفنه أو نحوهما تعريض لتلفه وإذهابه من غير فائدة قطعاً، بل هو إتلاف له)[1].
ويقول النراقي:
(فإنا نعلم قطعاً - بحيث لا يداخله شوب شك - أن الإمام الغائب - الذي هو صاحب الحق في حال غيبته، وعدم احتياجه، وعدم تمكن ذي الخمس من إيصاله حقه إليه، وكونه في معرض الضياع والتلف، بل كان هو المظنون، وكان مواليه وأولياؤه المتقون في غاية المسكنة والشدة والاحتياج والفاقة - راض بسد خلتهم ورفع حاجتهم من ماله وحقه.
كيف؟! وهم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فما الحال إذا لم تكن لهم حاجة وخصاصة؟! وكيف لا يرضى وهو خليفة الله في أرضه والمؤمنون عياله، كما صرح به في مرسلة حماد، وفيها: «وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له». وهو منبع الجود والكرم، سيما مع ما ورد منهم وتواتر من الترغيب إلى التصدق وإطعام المؤمن وكسوته والسعي في حاجته وتفريج كربته، والأمر بالاهتمام بأمور المسلمين، حتى قالوا: «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم». وقالوا في حق المسلم على المسلم: «إن له سبع حقوق واجبات، إن ضيع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من نصيب» إلى أن قال: «أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك» إلى أن قال: «والحق الثالث: أن تغنيه بنفسك ومالك» إلى أن قال: «والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع» الحديث.
وجعلوا من حقوق المسلم:
مواساته بالمال. ومع ذلك يدل عليه إطلاق رواية محمد بن يزيد ومرسلة الفقيه المتقدمتين، فإن إعطاء الخمس صلة.
ولا يتوهم أن بمثل ذلك يمكن إثبات التحليل لذي الخمس أيضاً وإن لم يكن فقيراً، لأن أداء الخمس فريضة من فرائض الله، واجب من جانب الله، وإعطاؤه امتثال لأمر الله، وفيه إظهار لولايتهم وتعظيم لشأنهم وسد لحاجة مواليهم، ومنه تطهيرهم وتمحيص ذنوبهم. ومع ذلك ترى ما وصل إلينا من الأخبار المؤكدة في أدائه والتشدد عليه، وأن الله يسأل عنه يوم القيامة سؤالاً حثيثاً، وتراهم قد يقولون في الخمس: لا نجعل لأحد منكم في حل، وأمثال ذلك. ومع هذا لا يشهد الحال برضاه عليه السلام لصاحب المال أن لا يؤدي خمسه، فيجب عليه أداؤه لأوامر الخمس وإطلاقاته واستصحاب وجوبه، ومعه لم يبق إلا الحفظ بالدفن أو الوصية أو التقسيم بين الفقراء. والأولان مما لا دليل عليهما، فإن الدفن والإيداع نوعا تصرف في مال الغير لا يجوز إلا مع إذنه، ولا إذن هناك، بل يمكن استنباط عدم رضائه بهما من كونهما معرضين للتلف، ومن حاجة مواليه ورعيته.
فلم يبق إلا الثالث الذي علمنا رضاه به، فيتعين ويكون هو الواجب في نصفه. ولما كان المناط الإذن المعلوم بشاهد الحال والروايتين ونسبتهما إلى السادات وغيرهم من فقراء الشيعة على السواء، فيكون الحق هو المذهب الأخير، والأحوط اختيار السادة من بين الفقراء. ولكن قد يعكس الاحتياط، كما إذا كان هناك شيعة ولي ورع معيل في ضيق وشدة ولم يكن السادة بهذا المثابة. وعلى المعطي ملاحظة الأحوال)[2].
ويقول الأنصاري:
(إن الذي يقتضيه التأمل في أحوال الإمام عليه السلام وفي أحوال ضعفاء شيعته في هذا الزمان، ثم في ملاحظة حاله بالنسبة إليهم، هو القطع برضائه عليه السلام بصرف حصته فيهم، ورفع اضطرارهم بها، وفيما يحتاجون إليه من الأمور العامة والخاصة، فالشك في هذا ليس إلا من جهة عدم إعطاء التأمل حقه في أحوال الطرفين أو في النسبة، مضافاً إلى أنه إحسان محض ما على فاعله من سبيل وإن لم نعلم رضاه بالخصوص. مضافاً إلى أن الظاهر أن المناط فيما ورد من الأمر بالتصدق بمجهول المالكهو تعذر الإيصال إلى مالكه لأجل الجهل، فالجهل لا مدخل له في أصل الحكم وإنما هو سبب للتعذر، فإذا حصل التعذر من وجه آخر مع العلم بالشخص وتعينه جاء الحكم أيضاً.
مضافاً إلى عموم ما دل على أنه: «من لم يقدر على أن يصلنا فليصل فقراء شيعتنا» وخصوص رواية ابن طاووس في وصية النبي صلى الله عليه وآله مضافاً إلى ما يشعر به ما دل على وجوب صرف نذر هدي البيت في زواره، معللاً بأن الكعبة غنية عن ذلك وما جاء في صرف الوصية التي نسي مصرفها في وجوه البر، وكذا الوقف الذي جهل أربابه مضافاً إلى رواية الطبري عن الرضا عليه السلام من: «أن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته»، فصرف حقه عليه السلام في أيام غيبته في حوائج ذريته وشيعته، لا يخلو عن أحد المصارف المذكورة في الرواية.
فيجوز حينئذ صرف حصته عليه السلام من الخمس أو مال آخر مما يقع بأيدينا من أمواله عليه السلام في الذرية الطاهرة المحتاجين؛ لأن سد خلتهم كان أحد المصارف لأمواله بل كان من أهمها دفع حصته (ع) إلى الأصناف إتماماً للنقص، وقد استدل جماعة على وجوب دفع حصته في هذا الزمان إلى الأصناف من باب التتمة، لأن علية إتمام ما نقص[3].
والطريف أنهم وهم يقولون برضا المهدي على هذا التصرف، ولكن عندما تعلق الأمر بهم لم يقبلوا به.
سأل أحدهم:
هل يكفي في مصرف سهم الإمام عليه السلام إحراز رضا الفقيه به أم لا بد من الاستيذان منه؟ وعلى الثاني هل تقوم الاستجازة بعد المصرف مقام الاستيذان أم لا؟
الخوئي:
(لا بد من الاستيذان قبل المصرف، ولو صرف في مورده الشرعي من غير استيذان فالإجازة المتأخرة ترفع الضمان)[4].
والكلام في هذا الباب يطول.
ومن الأقوال أيضاً التي ذهب إليها من رأى جواز التصرف في سهم الإمام هو التصدق بها عن الإمام باعتبار أنها أموال مجهولة المالك.
يقول صاحب الجواهر:
(وأقوى من ذلك معاملته معاملة المال المجهول مالكه باعتبار تعذر الوصول إليه روحي له الفداء، إذ معرفة الملك باسمه ونسبه دون شخصه لا تجدي، بل لعل حكمه حكم مجهول المالك باعتبار تعذر الوصول إليه للجهل به، فيتصدق به حينئذ نايب الغيبة عنه، ويكون ذلك وصولاً إليه على حسب غيره من الأموال التي يمتنع إيصالها إلى أصحابهما، والله أعلم بحقائق أحكامه)[5].
ومن أقوالهم الولاية على أموال الغائبين، وحيث أن الإمام غائب فإن الفقهاء يجوز لهم التصرف في أمواله.
سبحان الله! فعندما تعلق الأمر بالمال قالوا أنه غائب ووجوده كعدمه، ونسوا أنه حجة الله على خلقه. ولله في خلقه شؤون.
وغيرها من دلائل بنوا من خلالها على جواز بل وجوب التصرف بسهم الإمام في غيبته، ثم شرعوا في حصر هذا التصرف في الفقهاء.
يقول الشهيد الثاني:
(إن سهم الإمام يصرف إليه إن كان حاضراً، أو إلى نوابه وهم الفقهاء العدول الإماميون الجامعون لشرائط الفتوى، لأنهم وكلاؤه)[6].
ويقول الأنصاري:
(وربما أمكن القول بوجوب الدفع إلى المجتهد، نظراً إلى عموم نيابته وكونه حجة الإمام على الرعية وأميناً عنه وخليفة له، كما استفيد ذلك كله من الأخبار)[7].
ويقول زين الدين:
(والأحوط له استحباباً أن يدفع المال إلى الفقيه الجامع للشرائط ليتولى صرفه في مصارفه، أو يكون الدفع إليهم بإذنه، أو بإرشاده وتوكيله)[8].
ويقول الفياض:
(وقد تسأل: هل أنه ملك لشخص الإمام عليه السلام أو لمنصبه عليه السلام وهو الإمامة والزعامة؟.
والجواب:
أنه ملك للمنصب، فمن أجل ذلك يكون أمره بيد الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة)[9].
ويقول: (يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلاً وتسامحاً في أداء الخمس، ولكن ذلك لابد أن يكون بإذن الفقيه الجامع للشرائط، أما سهم الإمام عليه السلام فعلى أساس أن أمره في زمن الغيبة يرجع إليه وهو يتصرف فيه حسب ما يراه، ولا يجوز لأي واحد التصرف فيه من دون إذنه وإجازته، فالمالك وإن كانت له الولاية على عزل الخمس وإفرازه إلا أن إيصاله إلى الفقيه إذا توقف على النقل، فلابد أن يكون ذلك بإذنه، فلو نقل من دون الإذن منه وتلف في الطريق ضمن)[10].
ويرد الگلپايگاني على سائل مستفسراً:
(هل تأذنون لطلبة العلوم الدينية التصرف في سهم الإمام (ع) أو في مقدار منه إذا كان يأخذه للاستفادة؟ فقال: بسمه تعالى: لا يجوز التصرف لغير من كان مأذوناً فيه، والله العالم)[11].
ولما سئل: (هل يجوز إخراج الخمس من بلده مع وجود المستحقين له سواء كانوا من السادة أو من طلبة العلم أو غيرهم؟ قال: بسمه تعالى: أما حق الإمام عليه السلام فأمره راجع إلى الفقيه الجامع للشرائط إن أذن جاز وإلا فلا)[12].
وقالوا: (إن الفقيه أقدر على معرفة مستحقي الخمس. وأنه الأعلم المطلع والمحيط بالجهات العامة)[13].
يقول الخوئي:
(النصف الراجع للإمام عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى نائبه وهو الفقيه المأمون العارف بمصارفه إما بالدفع أو الاستئذان منه، ومصرفه ما يوثق برضاه عليه السلام بصرفه فيه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم الله تعالى شرفاً وغيرهم)[14].
ويكرر آخرون القول نفسه دون أدنى تغيير مما يدل على أن الرسائل العملية مكررة مع تغيير أسماء المراجع فحسب[15].
ثم جاء الحصر في المقلَد فقالوا:
(ويشكل دفعه إلى غير من يُقلده إلا إذا كان المصرف عنده هو المصرف عند مقلده كماً وكيفاً، أو يعمل على طبق نظره)[16].
ويقول الخوئي:
(دفع الحقوق تابع لمن اتخذه مرجعاً لنفسه)[17].
وفي سؤال:
(إذا سلم المكلف المقلد لكم الخمس لأحد الفقهاء المعاصرين هل تبرأ ذمته؟.
فجاء الجواب:
بسمه تعالى: إذا كان المسلم إليه جامعاً لشرائط الفقاهة أو وكيلاً من قبلنا تبرأ ذمته إن شاء الله)[18].
وفي رد على سؤال:
(هل من الضروري أخذ إجازة المجتهد المقلد من أجل صرف سهم الإمام عليه السلام في عمل الخير، مثلاً في الحوزة العلمية أو دار الأيتام، أو تكفي الإجازة من المجتهد مطلقا، وأساساً هل إجازة المجتهد ضرورية؟ فجاء من ضمن الجواب:
لا بد للمكلف من مراعاة فتوى المجتهد الذي يقلده هو في ذلك)[19].
وهذا من أعظم أسباب مسألة عدم جواز تقليد الميت عند الشيعة. وإليك أمثلة أخرى توضح هذا الأمر.
السؤال:
(إجازة الإذن في التصرف في مجهول المالك، أو بعض الاستثناءات التي أمضاها الفقيه لمقلديه، هل تلغى بعد موت الفقيه، وهل يوجد فرق بين ما إذا كانوا يعتقدون بأعلميته على الفقيه الحي، وهل هذه الإجازة تحتاج إلى إذن جديد من الفقيه الحي؟
الجواب:
الإجازات السابقة من الفقيه تلغى حين موته، وتحتاج إلى إذن جديد من الفقيه الحي)[20].
[1] جواهر الكلام، للجواهري (16/177).
[2] مستند الشيعة، للنراقي (10/133).
[3] كتاب الخمس، للأنصاري (333)، كتاب الطهارة، للأنصاري (2/551).
[4] صراط النجاة، لميرزا جواد التبريزي (1/201).
[5] جواهر الكلام، للجواهري (16/177).
[6] شرح اللمعة، للشيهد الثاني (2/79).
[7] كتاب الخمس، للأنصاري (337).
[8] كلمة التقوى، لمحمد أمين زين الدين (2/291).
[9] منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/84).
[10] منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/86).
[11] إرشاد السائل، للگلپايگاني (63).
[12] إرشاد السائل، للگلپايگاني (56).
[13] الفتاوى الميسرة، للسيستاني (239).
[14] منهاج الصالحين، للخوئي (1/348).
[15] انظر مثلاً: منهاج الصالحين، لمحمد الروحاني (1/368)، منهاج الصالحين، للسيستاني (1/411)، منهاج الصالحين، لمحمد صادق الروحاني (1/372)، منهاج الصالحين، لمحمد إسحاق الفياض (2/85)، منهاج الصالحين، للوحيد الخراساني (2/388).
[16] تحرير الوسلية، للخميني (1/366)، هداية العباد، للگلپايگاني (1/332).
[17] صراط النجاة، للميرزا جواد التبريزي (2/190).
[18] إرشاد السائل، للگلپايگاني (69).
[19] أجوبة الاستفتاءات، للخامنئي (1/315).
[20] صراط النجاة، لميرزا جواد التبريزي (3/354).