تُمثِّل مرويات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الصحيحين ركيزةً علميةً أصيلةً في بناء العقيدة والفقه والسلوك الإسلامي، إذ نقلت لنا طائفةً من الأحاديث الجامعة التي تؤصل أصول الدين، وتُقعِّد قواعد الشريعة، وتُجلي منهج الصحابة في الاتباع والتمسك بالسُّنَّة.

ففي هذه الروايات يَرِدُ التحذير الشديد من الكذب على النبي ﷺ، وبيان أن المرجع الأعلى هو كتاب الله تعالى، مع ما ثبت في الصحيفة من أحكامٍ شرعيةٍ عامة. كما تتناول جملةً من المسائل الفقهية المهمة؛ كأحكام المذي والطهارة، ومسائل الغسل والوضوء، وأحكام الهدي والبدن وتقسيم لحومها وجلودها، وتحريم المدينة وحرمتها، ووجوب الالتزام بذمة المسلمين.

وتعرض كذلك لمشاهد إيمانية مؤثرة؛ كحديث القدر وكتابة الشقاوة والسعادة، والحث على القيام للصلاة، والتمسك بسنة النبي ﷺ في الحج عند وقوع الخلاف، إلى جانب وقائع تاريخية مهمة كقصة الشارف يوم بدر، وما كان قبل تحريم الخمر.

وهذه المرويات تُبرز فقه علي رضي الله عنه، وحرصه على السنة، وثباته على الحق، وعدم تقديم قول أحدٍ على قول رسول الله ﷺ، وفي ذلك ردٌّ واضحٌ على الفرق الضالة التي غلت فيه أو انحرفت عن منهجه ومنهج الصحابة الكرام، فخالفوا سبيل المؤمنين.

مرويات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الصحيحين 

1)  عن ربعي بن حراش قال: سمعت عليا، يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار " [1].

2)  عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: " لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر " [2].

3)  وقال علي: " حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذب، الله ورسوله " حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي بذلك[3].

4)  عن محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، قال: كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله، فقال: " فيه الوضوء " [4].

5)  عن محمد ابن الحنفية، قال: قال علي كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: " فيه الوضوء " ورواه شعبة، عن الأعمش[5].

6)  عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لمكان ابنته، فسأل فقال: " توضأ واغسل ذكرك " [6].

7)  عن زيد بن خالد الجهني، أنه، سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال: عثمان: " يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره " قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم - فأمروه بذلك. قال: يحيى، وأخبرني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[7].

8)  عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة، فقال: " ألا تصليان؟ " فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف: 54][8].

9)  عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: " ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة " فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: " أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة " ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى الآية[9].

10)     عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان، وعليا رضي الله عنهما وعثمان " ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما "، فلما " رأى علي أهل بهما، لبيك بعمرة وحجة "، قال: " ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقول أحد" [10].

11)     عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان، في المتعة، فقال علي: " ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم "، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا[11].

12)     عن علي رضي الله عنه قال: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها " [12].

13)     عن علي رضي الله عنه قال: " بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقمت على البدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها "، قال سفيان: وحدثني عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه، قال: أمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أن أقوم على البدن، ولا أعطي عليها شيئا في جزارتها " [13].

14)     عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخبره أن عليا رضي الله عنه أخبره: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يقوم على بدنه، وأن يقسم بدنه كلها، لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطي في جزارتها شيئا " [14].

15)     عن سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدا، يقول: حدثني ابن أبي ليلى، أن عليا رضي الله عنه حدثه قال: " أهدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة بدنة، فأمرني بلحومها، فقسمتها ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها "[15].

16)     عن علي رضي الله عنه، قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " المدينة حرم، ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، وقال: ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل، ومن تولى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل " قال أبو عبد الله: " عدل: فداء " [16].

17)     عن حسين بن علي رضي الله عنهما، أخبره أن عليا عليه السلام، قال: " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين، وأستعين به في وليمة عرسي " [17].

18)     عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه، قال: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت، وبجلودها "[18].

19)     عن علي بن أبي طالب رضي الله أنه قال: أصبت شارفا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مغنم يوم بدر، قال: " وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شارفا أخرى "، فأنختهما يوما عند - باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع، فأستعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت معه قينة، فقالت: ألا يا حمز للشرف النواء. فثار إليهما حمزة بالسيف فجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، ثم أخذ من أكبادهما، - قلت لابن شهاب ومن السنام؟ قال: قد جب أسنمتهما، فذهب بها، قال ابن شهاب: - قال علي رضي الله عنه: فنظرت إلى منظر أفظعني، فأتيت نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعنده زيد بن حارثة، فأخبرته الخبر، فخرج ومعه زيد، فانطلقت معه، فدخل على حمزة، فتغيظ عليه، فرفع حمزة بصره، وقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقهقر حتى خرج عنهم، وذلك قبل تحريم الخمر[19].

20)     عن علي رضي الله عنه، قال: " أهدى إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم حلة سيراء، فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي " [20].

21)     عن عبد الله بن شداد، قال سمعت عليا رضي الله عنه، يقول: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفدي رجلا بعد سعد سمعته يقول: " ارم فداك أبي وأمي " [21].

22)     عن علي رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس " [22].

23)     عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليا رضي الله عنه، يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير، والمقداد بن الأسود، قال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها "، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا حاطب ما هذا؟ "، قال: يا رسول الله، لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لقد صدقكم "، قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " [23].

24)     عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: " لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة "، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: " العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر " [24].

25)     عن أبي عبد الرحمن، - وكان عثمانيا فقال لابن عطية: وكان علويا - إني لأعلم ما الذي جرأ صاحبك على الدماء، سمعته يقول: بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم والزبير، فقال: " ائتوا روضة كذا، وتجدون بها امرأة، أعطاها حاطب كتابا "، فأتينا الروضة: فقلنا: الكتاب، قالت: لم يعطني، فقلنا: لتخرجن أو لأجردنك، فأخرجت من حجزتها، فأرسل إلى حاطب، فقال: لا تعجل، والله ما كفرت ولا ازددت للإسلام إلا حبا، ولم يكن أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله، ولم يكن لي أحد، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا، فصدقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال عمر: دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق، فقال: " ما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم "، فهذا الذي جرأه[25].


[1] صحيح البخاري - كتاب العلم - باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وآله سلم - حديث: ‏105‏

[2] صحيح البخاري - كتاب العلم - باب كتابة العلم - حديث: ‏110‏

[3] صحيح البخاري - كتاب العلم - باب من خص بالعلم قوما دون قوم - حديث: ‏126‏

[4] صحيح البخاري - كتاب العلم - باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال - حديث: ‏131‏

[5] صحيح البخاري - كتاب الوضوء - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: حديث: ‏175‏

[6] صحيح البخاري - كتاب الغسل - باب غسل المذي والوضوء منه - حديث: ‏265‏

[7] صحيح البخاري - كتاب الغسل - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة – حديث: 288

[8] صحيح البخاري - كتاب الجمعة - أبواب تقصير الصلاة - باب تحريض النبي صلى الله عليه وآله سلم على صلاة الليل والنوافل - حديث: ‏1088‏

[9] صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب موعظة المحدث عند القبر - حديث: ‏1308‏.

[10] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج - حديث: ‏1497‏

[11] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج - حديث: ‏1503‏

[12] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب: الجلال للبدن - حديث: ‏1631‏

[13] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئا - حديث: ‏1640‏

[14] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب: يتصدق بجلود الهدي - حديث: ‏1641‏

[15] صحيح البخاري - كتاب الحج - باب: يتصدق بجلال البدن - حديث: ‏1642‏

[16] صحيح البخاري - كتاب الحج - فضائل المدينة - باب حرم المدينة - حديث: ‏1780‏

[17] صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ما قيل في الصواغ - حديث: ‏1999‏

[18] - صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب وكالة الشريك الشريك في القسمة وغيرها - حديث: ‏2198‏

[19] صحيح البخاري - كتاب المساقاة - باب بيع الحطب والكلإ - حديث: ‏2268‏

[20] صحيح البخاري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها - باب هدية ما يكره لبسها - حديث: ‏2493‏

[21] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب المجن ومن يترس بترس صاحبه - حديث: ‏2770‏

[22] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة - حديث: ‏2794

[23] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الجاسوس - حديث: ‏2866‏

[24] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب فكاك الأسير - حديث: ‏2903‏

[25] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة - حديث: ‏2932‏