عرض النقول والإلزامات والرد العلمي

القرآن الكريم هو أصل الدين، وبه قامت الحجة، وعليه انعقد إجماع الأمة الإسلامية جيلًا بعد جيل على أنه كامل محفوظ، لم يَزِد فيه حرف ولم ينقص، تحقيقًا لوعد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

غير أن القارئ للتراث العقدي والحديثي عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية يجد نقولًا صريحة من كبار علمائهم -كالمفيد، والمجلسي، ونعمة الله الجزائري، والبحراني- تفيد وقوع النقص والتغيير في القرآن الموجود بين أيدي المسلمين، مع الزعم بأن القرآن الكامل محفوظ عند الإمام الغائب، وسيظهر به في آخر الزمان.
ولا تقف خطورة هذه الأقوال عند حدّ الخلاف المذهبي، بل تتجاوز ذلك إلى هدم أصل حفظ الوحي والطعن في نقل الدين، وإثبات شريعة مؤجّلة لا تكتمل إلا بظهور الإمام.

يهدف هذا المقال إلى عرض هذه النقول كما هي من مصادرها، ثم بيان الشبهة التي تقررها، والرد العلمي عليها، وذكر الإلزامات العقدية اللازمة عنها، وفق منهج نقدي موثّق.

قال المفيد:

" لا شك أن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله، وليس فيه شيء من كلام البشر، وهو جمهور المنزل والباقي مما أنزله الله تعالى عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام، لم يضع منه شيء"

المسائل السروية - المفيد - ص 78 – 79

وقال المجلسي:

"والأخبار من طريق الخاصة والعامة في النقص والتغيير متواترة، والعقل يحكم بأنه إذ كان القرآن متفرقا منتشرا عند الناس، وتصدي غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع، لكن لا ريب في أن الناس مكلفون بالعمل بما في المصاحف وتلاوته حتى يظهر القائم عليه السلام، وهذا معلوم متواتر من طريق أهل البيت عليهم السلام وأكثر أخبار هذا الباب مما يدل على النقص والتغييرو سيأتي كثير منها في الأبواب‏ الآتية لا سيما في كتاب القرآن، وسنشبع القول فيه هناك إن شاء الله تعالى"

مرآة العقول - المجلسي - ج 3 ص 31 - 32

وقال المجلسي ايضا:

" ولا ريب في أنه يجوز لنا الان أن نقرأ موافقا لقراءاتهم المشهورة كما دلت عليه الأخبار المستفيضة إلى أن يظهر القائم عليه السلام، ويظهر لنا القرآن على حرف واحد، وقراءة واحدة، رزقنا الله تعالى إدراك ذلك الزمان"

بحار الأنوار - المجلسي - ج 82 ص 65 - 66

وقال نعمة الله الجزائري:

 "قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين عليه السلام بوصية من النبي، فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك، عندنا قرآن كتبه عثمان. فقال لهم علي: لن تروه بعد اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي عليه السلام. وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة وهو خال من التحريف"

الأنوار النعمانية - نعمة الله الجزائري - ج 2 ص 247

وقال ايضا: " فإن قلت كيف جاز القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟؟ قلت قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام فيقرى ويعمل بأحكامه "

الأنوار النعمانية - نعمة الله الجزائري - ج 2 ص 248

 

وأمّا الأخبار الدالة على ما اخترناه من وقوع التغيير والنقصان، فمنها ما رواه في (الكافي) بإسناده عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السّلام قال: قلت له: جعلت فداك، إنّا نسمع الآيات في (القرآن) ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم ؟ فقال: "اقرؤوا كما تعلَّمتم، فسيجيئكم من يعلَّمكم".

وما رواه فيه أيضا عن سالم بن سلمة قال:

قرأ رجل على أبي عبد اللَّه عليه السّلام حروفا من (القرآن) - وأنا أسمع - ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: " كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حدّه، وأخرج المصحف الذي [كتبه] علي عليه السّلام " الحديث.

أقول: المستفاد من هذين الخبرين أن الأمر بقراءة هذا (القرآن) الموجود الآن، والاقتصار عليه، وعدم جواز القراءة بما أخبروا عليهم السّلام بحذفه، إنّما هو من باب التقية والاستصلاح، وأن القائم عليه السّلام بعد خروجه وقيامه - عجّل اللَّه فرجه - يقرأ (القرآن) ويأمر بتعليمه على الوجه الذي انزل من تلك الزيادات التي منعوا من قراءتها في هذا الزمان. وحمل تلك الآيات التي نهوا عن قراءتها على أنها تأويل لا تنزيل - مع كونه تعسفا محضا - ينافيه دلالة ظاهر الخبرين، على أن القائم عليه السّلام يقرؤه كذلك ويعلَّمه الناس.

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية للمحقق البحراني ج 4 ص 72