المصحف مع المهدي

 دراسة نقدية في ضوء القرآن والسنة

يُعَدّ القول بتحريف القرآن من أخطر القضايا العقدية التي تمس أصل الدين، إذ إن القرآن الكريم هو أساس الشريعة ومصدر الهداية الأول للأمة الإسلامية. وقد أجمع المسلمون من أهل السنة والجماعة، سلفًا وخلفًا، على أن القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى، لم يزدهر فيه نقص ولا زيادة، كما قال سبحانه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

إلا أن المتتبع للتراث الحديثي والعقدي عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية يجد روايات ونقولًا خطيرة، نُسبت إلى كبار علمائهم، تفيد بأن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم ليس هو القرآن الكامل، وأن المصحف الحقيقي محفوظ عند الإمام الغائب (المهدي)، وسيظهر به في آخر الزمان.

ومن أبرز هذه الروايات ما ورد في كتاب بحار الأنوار للمجلسي، وكتاب إلزام الناصب لعلي الحائري، وهي نصوص تُستخدم لتكريس فكرة وجود مصحف آخر مخالف لما عليه المسلمون.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الشبهة عرضًا دقيقًا، ثم تفنيدها تفنيدًا علميًا واضحًا، وبيان تعارضها الصريح مع القرآن، والسنة المتواترة، والإجماع القطعي للأمة الإسلامية.

باب من ادّعى الرؤية في الغيبة الكبرى:

إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب لعلى الحائري ت 1333 الجزء 2 صفحة 82

فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان، وعبدالرحمان بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدري، وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم، بعد وفاة سيد المرسلين[1] صلى الله عليه وسلم فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام بخطه محفوظ عند صاحب الامر عليه السلام فيه كل شيء حتى أرش الخدش، وأما هذا اقرآنا، فلا شك ولا شبهة في صحته، وإنما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الامر عليه السلام.

قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل:

ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوب على تسعين مسألة، وهي عندي، جمعتها في مجلد وسميتها بالفوائد الشمسية ولا أطلع عليها إلا الخاص من المؤمنين، وستراه إن شاء الله تعالى.

كتاب بحار الأنوار الجزء 52 صفحة 170 باب 23: من ادّعى الرؤية في الغيبة الكبرى

رابط الوثيقة

عرض الشبهة كما وردت في المصادر الشيعية:

جاء في بحار الأنوار (ج 52 ص 170) وإلزام الناصب (ج 2 ص 82) ما خلاصته:

أن الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ جمعوا القرآن وأسقطوا الآيات التي تتضمن مثالب لهم.

أن القرآن الذي جمعه علي بن أبي طالب عليه السلام بخطه هو القرآن الكامل.

أن هذا المصحف محفوظ عند الإمام الغائب (المهدي).

وأن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم صحيح في الجملة، لكنه ليس كاملًا.

وهذا المعنى يتكرر في عدد من كتب الشيعة المتقدمة، بصيغ متعددة.

الرد العلمي على الشبهة

أولًا: مصادمة صريحة للقرآن الكريم

هذا القول يُكذّب صراحة وعد الله بحفظ كتابه، ويستلزم أحد أمرين:

إما أن الله أخلف وعده (تعالى الله عن ذلك).

أو أن الأمة كلها، بمن فيهم الصحابة والتابعون، خانوا الأمانة.

وكلا الأمرين كفر صريح عند أهل السنة.

ثانيًا: الطعن في الصحابة رضي الله عنهم

هذه الروايات قائمة على اتهام كبار الصحابة:

أبي بكر.

عمر.

عثمان.

وسائر كتبة الوحي.

وهو طعن في نقلة القرآن، مما يؤدي إلى هدم الدين من أساسه؛ لأن من طعن في ناقل القرآن طعن في القرآن نفسه.

ثالثًا: مخالفة التواتر القطعي

القرآن نُقل:

حفظًا في الصدور

كتابة في السطور

تواترًا جيلاً بعد جيل

فلا يمكن عقلاً ولا نقلًا أن يُحرَّف، ثم لا ينتبه لذلك أحد من الأمة، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من الأئمة.

رابعًا: تناقض الشيعة أنفسهم

كثير من علماء الشيعة المتأخرين:

ينفون القول بتحريف القرآن.

ومع ذلك لا يتبرؤون من هذه الروايات، بل يؤولونها أو يسكتون عنها.

وهذا تناقض واضح يدل على اضطراب المنهج.

خامسًا: لوازم هذه العقيدة الخطيرة

القول بوجود قرآن كامل مع المهدي يستلزم:

أن الأمة تعبد الله بكتاب ناقص (والعياذ بالله).

أن الشريعة غير مكتملة.

أن الهداية الكاملة لم تتحقق إلا بظهور المهدي.

وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.

 

 

[1] يظهر من كلامه ذلك أن منشئ هذه القصة، كان من الحشوية الذين يقولون بتحريف القرآن لفظا، فسرد القصة على معتقداته.