الأئمة جمعوا القران
يُعدّ القرآن الكريم أصل الدين وأساس الشريعة الإسلامية، وقد تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظه نصًا ومعنى، فلا يجوز لأحد من البشر أن يدّعي اختصاصه بجمعه أو حفظه دون سائر الأمة. وقد انعقد إجماع المسلمين على أن القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله كاملًا محفوظًا، نُقل بالتواتر القطعي جيلًا بعد جيل.
غير أن بعض كتب الشيعة الإمامية، وعلى رأسها كتاب الكافي للكليني، تشتمل على روايات تزعم أن القرآن لم يجمعه كاملًا كما أُنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده، وأن غيرهم من الصحابة لا يملكون القرآن كله، أو لا يعرفون ظاهره وباطنه.
وهذه الدعوى الخطيرة ليست مجرد خلاف فقهي أو تأويل مذهبي، بل تمثل انحرافًا عقديًا يمس أصل حفظ القرآن وكمال الشريعة، ويؤدي إلى الطعن في الصحابة، وفي نقل الدين، بل وفي صدق وعد الله بحفظ كتابه.
ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الشبهة كما وردت في مصادرها الشيعية، ثم تفنيدها تفنيدًا علميًا دقيقًا، وبيان تناقضها مع القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع القطعي للأمة الإسلامية.
بَابُ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إِلَّا الْأَئِمَّةُ ع وَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ عِلْمَهُ كُلَّهُ:
1- مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ مَا ادَّعَى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَمَا أُنْزِلَ إِلَّا كَذَّابٌ وَ مَا جَمَعَهُ وَ حَفِظَهُ كَمَا نَزَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ ع.
2- مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الْمُنَخَّلِ[1] عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع أَنَّهُ قَالَ: مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ عِنْدَهُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ ظَاهِرِهِ وَ بَاطِنِهِ غَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ[2].
كتاب الكافي الجزء 1 صفحة 228 باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام
صورة من الموقع:
https://ar.lib.eshia.ir/11005/1/228
نص الشبهة كما وردت في كتاب الكافي:
|
جاء في الكافي (ج 1 ص 228 – باب: أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة): «ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده». وجاء أيضًا: «ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء». ومضمون هذه الروايات واضح، وهو: ◘ نفي جمع القرآن كاملًا عن الصحابة. ◘ حصر القرآن الكامل في علي والأئمة. ◘ الإيحاء بأن ما عند الأمة ليس هو القرآن كما أُنزل. |
الرد العلمي على الشبهة:
أولًا: مخالفة صريحة للقرآن الكريم
◘ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
◘ حفظ القرآن فعل إلهي عام، لم يُعلّق على إمام غائب ولا على أوصياء مخصوصين.
فالقول إن القرآن لم يُجمع إلا عند الأئمة يعني:
◘ إما أن الله لم يحفظ كتابه للأمة.
◘ أو أن الأمة كلها ضلت في أصل دينها.
◘ وكلاهما باطل قطعًا.
ثانيًا: الطعن في الصحابة ونقلة القرآن
هذه الروايات تتضمن تكذيبًا ضمنيًا:
◘ للصحابة الكرام
◘ وكتبة الوحي
◘ وحفاظ القرآن
◘ ومن طعن في نقلة القرآن فقد طعن في القرآن نفسه، وهو مسلك يؤدي إلى هدم الدين من جذوره.
ثالثًا: مصادمة التواتر القطعي
القرآن نقل:
◘ حفظًا في الصدور
◘ وكتابة في السطور
◘ وتواترًا لا يُتصور تواطؤ الأمة على خلافه
فكيف يُعقل أن يُخفى القرآن الكامل عن:
◘ الصحابة
◘ والتابعين
◘ والأئمة الأربعة
◘ وسائر علماء الأمة
◘ ولا يعرفه إلا أئمة مخصوصون؟
رابعًا: تناقض الشيعة الإمامية أنفسهم
كثير من متأخري الشيعة:
◘ ينفون القول بتحريف القرآن نظريًا
◘ لكنهم يثبتون هذه الروايات في أصولهم الحديثية
◘ ولا يحكمون ببطلانها صراحة
◘ وهذا تناقض منهجي واضح، يدل على اضطراب الأصل العقدي.
خامسًا: لوازم هذه العقيدة الباطلة
القول بأن القرآن الكامل عند الأئمة يستلزم:
◘ أن الشريعة غير مكتملة
◘ أن الأمة تعبد الله بكتاب ناقص
◘ أن الهداية الحقة مؤجلة لظهور الإمام الغائب
◘ وهذا كله يصادم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[1] المنخل بضم الميم و فتح النون و تشديد المعجمة المفتوحة و ربما يقرأ منخل بسكون النون و تخفيف الخاء.( آت)
[2] قوله عليه السلام «ان عنده القرآن كله إلخ» الجملة و إن كانت ظاهرة في لفظ القرآن و مشعرة بوقوع التحريف فيه لكن تقييدها بقوله: ظاهره و باطنه يفيد أن المراد هو العلم بجميع القرآن من حيث معانيه الظاهرة على الفهم العادى و معانيه المستبطنة على الفهم العادى و كذا قوله في الرواية السابقة:« و ما جمعه و حفظه إلخ» حيث قيد الجمع بالحفظ فافهم( الطباطبائى).