الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، وجعل هذا الشرع محفوظًا بنصوصه وأصوله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ النبي الخاتم، الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة وترك الأمة على المحجّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.
لا يزال الرافضة الإمامية، كعادتهم القديمة، يبحثون في بطون كتب أهل السنة عن عبارات مجتزأة أو آثار مبتورة ليقلبوا بها الحقائق، ويزعموا من خلالها إثبات باطلهم في مسألة الإمامة والوصاية، بعدما عجزوا عن إقامة دليلٍ صريحٍ صحيحٍ من القرآن أو السنة على ما يعتقدونه من أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لأحدٍ بعده.
ومن جملة ما يتشبثون به أثر هزيل بن شرحبيل المشهور بلفظ: «فخزم كلاهما بخزام»، محاولين تصويره وكأنه إقرار بوجود وصيٍّ للنبي ﷺ، وأن أبا بكر رضي الله عنه تعدّى على هذا المزعوم.
غير أن هذه الشبهة لا تصمد أمام أدنى نظر علمي منهجي، ولا أمام تتبع الروايات في مظانّها، ولا عند فهم كلام السلف وفق سياقه وسباقه، ولا عند الرجوع إلى لغة العرب التي نزل بها الوحي وتكلم بها الصحابة والتابعون. فالأثر ثابت من حيث الإسناد، نعم، لكنه ليس نصًا نبويًا، ولا دلالة فيه أصلًا على الوصية أو الإمامة، بل هو – كما سيتبيّن – استفهام إنكاري صريح يُبطل دعوى الوصاية من أصلها، ويؤكد أن النبي ﷺ لم يعهد بالخلافة إلى أحد، وأن أبا بكر رضي الله عنه لو وجد أدنى نص أو عهد لكان أول المنقادين له.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، إذ يهدف إلى تفكيك هذه الشبهة تفكيكًا علميًا دقيقًا، ببيان سياق الأثر، وموضعه في كتب السنة، وشرح ألفاظه شرحًا لغويًا معتبرًا، مع نقل كلام أهل العلم في معناه، وبيان كيف قلب الرافضة دلالته رأسًا على عقب، فجعلوا النفي إثباتًا، والاستفهام الإنكاري تقريرًا، والبراءة من الوصاية دليلًا عليها.
وسيظهر للقارئ المنصف، بعد هذا العرض، أن هذا الأثر ليس حجة للرافضة، بل هو حجة عليهم، وشاهد جديد من كتب أهل السنة على بطلان أصل الإمامة والوصية الذي بنوا عليه مذهبهم.
كعادة الإمامية المتجعفرة يحاولون الطعن في اهل السنة من خلال الطعن في رموزهم ولكن إلى اين أيها الرافضة فنحن ورائكم ولن نترككم إلى أن تتركوا شرككم وكفركم وطعنكم وتتوبوا إلى الله وحده لا شريك له:
شبهة جاؤوا بها وقلبوا مفهومها والله المستعان كالآتي:
حدثنا الحسن بن عفان قثنا أبو أسامة قثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف اليامي قال سألت عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي قلت هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قلت فكيف أمر المسلمين بالوصية قال أوصى بكتاب الله قال قال هزيل أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم لود أبو بكر إنه وجد عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم كلاهما بخزام..
مسند ابي عوانة 3\475.
باب من لم يوص:
حدثنا محمد بن يوسف عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف اليامي قال سألت عبد الله بن أبي أوفى ثم أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قلت فكيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية فقال أوصى بكتاب الله وقال هزيل بن شرحبيل أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر إنه وجد من رسول صلى الله عليه وسلم عهدا فخزم كلاهما بخزامة ذلك.
سنن الدارمي 2\496 .
أخبرناه الوليد بن عمرو قال أخبرنا يعقوب قال أخبرنا مالك ابن مغول عن طلحة بن مصرف عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال سألته هل أوصى النبي قال لا قال قلت كيف كتب على الناس الوصية وأمروا بها ولم يوص قال أوصى بكتاب الله وقال هزيل بن شرحبيل كان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ود أبو بكر لو وجد من رسول الله في ذلك عهدا فخزم كلاهما بخزامة ..
مسند البزار 8\297298
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى ثم أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء قال لا قلت فكيف أمر المسلمين بالوصية قال أوصى بكتاب الله عز وجل قال مالك بن مغول قال طلحة وقال الهذيل بن شرحبيل أبو بكر رضي الله عنه كان يتأمر على وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر رضي الله عنه إنه وجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فخزم كلاهما بخزام...
مسند احمد 4\381
حدثنا الحميدي قال ثنا سفيان قال ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبي أوفى ثم هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يوصي فيه قلت وكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص قال أوصى بكتاب الله قال طلحة قال الهزيل بن شرحبيل أبو بكر يتقدم على وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر إنه وجد من رسول الله عهدا فخزم به كلاهما...
مسند الحميدي 2\315
كتاب الوصايا:
حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال ثم قلت لعبد الله بن أبي أوفي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء قال لا قلت فكيف أمر المسلمين بالوصية قال أوصى بكتاب الله قال مالك وقال طلحة بن مصرف قال الهزيل بن شرحبيل أبو بكر كان يتأمر على وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر إنه وجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فخزم كلاهما بخزام..
سنن ابن ماجه 2\900 .
الرد:
أقول وبالله التوفيق:
الكلام لهزيل بن شرحبيل وليس نصا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأعلم أن هزيل تابعي ثقه والاثر يصح، لكن السؤال ماذا قصد هزيل؟
من تامل في المصادر السابقة وجد إنها تتكلم في الوصية، ويدل على ذلك اسم الباب أو الكتاب الذي ذُكِرَ فيه الاثر.
وأعلم أن طريقة اهل العلم في السرد العلمي مهمة جدا ومسألتنا دليل واضح على ذلك فكون هذا الاثر يُسْتَدَلُ به على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد اوصى بالخلافة أو الإمامة أو حتى الوصاية لأحد استدلال ضعيف جدا لأمور منها:
1- أن الاثر نفسه مذكور في كتب أو ابواب في من لم يوص وغيره من العناوين الدالة على ذلك فكيف يُسْتَدَلُ به على الوصاية؟!
2- أن الحديث قد شرحه بعض اهل العلم وبينوا أن المراد من كلام هزيل بن شرحبيل إنه استفهام انكاري:
أبو بكر كان يتأمر الخ الظاهر أن هذا الكلام من الهذيل بن شرحبيل على سبيل الاستفهام للإنكار وحرف الاستفهام مقدر يريد إنكار أن يكون من جانبه صلى الله عليه وسلم وصيا بالخلافة أحدا بعده ويكون أبو بكر رضي الله عنه بذاته أميرا ويتركه أي ليس شأن أبي بكر أن يصير أميرا على من كان وصيا بالخلافة لأنه رضي الله عنه ما كان محبا للخلافة وحريصا على الامارة بل كان متنفرا عنها وكارها لها ويرد أن يثبت أمر الخلافة لغيره فيتبعه هو بنفسه ولذا رد الأمر يوم السقيفة على عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح وقال بايعوا أيهما شئتم فلما لم يجد بدا من الخلافة تأمر بالثقالة والكلفة لأن عمر رضي لم يرض وأخذ بيده للبيعة. 1\193 للسيوطي وعبد الغني وفخر الحسن الدهلوي.
قوله فخزم كلاهما بخزام قال في النهاية معناه لو كان على معهودا عليه بالخلافة لكان في أبي بكر من الطاعة والانقياد اليه ما يكون في الجمل الذليل المنقاد بحزامته وهي بمعجمتين حبل في انف البعير..
شرح سنن ابن ماجه 1\193 للسيوطي وعبد الغني وفخر الحسن الدهلوي.
والاستفهام الانكاري قد يكون مقدرا وهو الذي معنا الان والتقديرظاهر لوجود القرائن ومنها عنونة الكتاب أو الباب، ومنها (من القرائن) معنى خزم ولمن تطلق وماذا اراد بها العرب ومتى يطلقونها؟
1- مختار الصحاح:
خ ز م خَزَم البعير بالخِزّامةِ وهي حلقة من شعر تُجعل في وترة أنفه يُشد فيها الزمام ويقال لكل مثقوب مَخْزُومٌ والطير كلها مخزومة لأن وترات أنوفها مثقوبة والخُزَامَى خيري البر .1\73 .
2- لسان العرب:
خزم
خزم: خَزَمَ الشيءَ يَخْزِمُهُ خَزْماً: شَكَّهُ. والخِزامةُ: بُرَةٌ، حَلَقَةٌ تجعل في أحد جانِبَيْ مَنْخِرَي البعير، وقيل: هي حَلقةٌ من شَعَرٍ تجعل في وَتَرَةِ أَنفه يُشَدُّ بها الزِّمامُ.12\174 .
◘ فالكلمة معناها واضح وهي تفيد الانقياد أي يخزم انفه فينقاد كما ينقاد الجمل، وفي ذلك بيان أن الأمر(الخلافة والإمامة) لم يوجد فيها وصية ابدا ولو وجد لخزم أبو بكر انفه فيها أي لزم نفسه فيها فينقاد لمن وصى له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
◘ ولو أمعنا النظر في كلمة وَدَّ (فتح الواو، وتشديد الدال مع فتحها) لوجدنا أن أبا بكر كان كارها للمسالة ولم يتمناها ابدا ويدل على ذلك أيضًا إنه لم يطلبها (الخلافة)
واخيرا هناك بعض الروايات التي تبين نصا لا تقديرا أن كلام الهزيل بن شرحبيل إنما كان استفهاميا انكاريا واليك تلك الروايات:
1- أخبرنا وكيع بن الجراح وشعيب بن حرب عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى آوصى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالوصية قال أوصى بكتاب الله قال مالك وقال طلحة قال هزيل بن شرحبيل أأبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر إنه وجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فخزم كلاهما بخزامة .
طبقات ابن سعد 2\260 .
2- قال أخبرنا الفضل بن دكين وشعيب بن حرب قالا أخبرنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبي أوفى أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قلت فكيف كتب على الناس الوصية وأمروا بها قال أوصى بكتاب الله قال وقال هذيل أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله لود أبو بكر إنه وجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدا فخزم كلاهما بخزامة ...
طبقات ابن سعد 3\183.
ملاحظة مهمة:
3- الرواية الاولى فيها أأبو بكر ....الخ، أما الثانية ففيها أكان .....الخ
فالمعنى هو لو كان عليٌ معهودا اليه بالإمامة أو الخلافة أو الوصاية لكان في ابي بكر من الانقياد والطاعة اليه ما يكون في الجمل الذليل المنقاد بخزامته فكيف لا وهو الصديق رضي الله عنه وارضاه؟!!.
هؤلاء هم صحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقافون عند النصوص أن وجدت وعند عدمها لهم اجتهاداتهم رضي الله عنهم وهم اخوة شاء من شاء وابى من ابى .
هذا والله أعلم واحكم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تعبد.