الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.

تُعدّ مسألة العصمة عند الشيعة الإمامية من أخطر القضايا العقدية التي بُني عليها مذهبهم في الإمامة، إذ جعلوا الأئمة في منزلة تفوق منزلة الأنبياء من حيث العصمة من الذنوب والخطأ والسهو والنسيان، واعتبروا هذه العصمة أصلًا لازمًا لصحة الإمامة وحجية أقوال الأئمة وأفعالهم. وقد ترتب على هذا الاعتقاد إشكالات شرعية وعقلية جسيمة، وتناقضات ظاهرة مع نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، بل ومع أقوال الأئمة أنفسهم كما هو ثابت في مصادر الشيعة المعتمدة.

ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة مفهوم العصمة عند الشيعة الإمامية، وبيان تطوره التاريخي، وكشف التناقض الواضح بين ما قرره متقدموهم وما أقرّه متأخروهم، مع الاستدلال بالنصوص القرآنية التي تثبت وقوع السهو والخطأ من الأنبياء عليهم السلام، فضلًا عن النصوص الكثيرة المنقولة عن علي بن أبي طالب وبقية الأئمة والتي يصرّحون فيها بعدم العصمة، وإقرارهم بالخطأ، واستغفارهم من الذنوب.

كما يناقش المقال الإشكالات العملية التي تهدم دعوى العصمة، مثل اختلاف الأئمة في الفتاوى، وتعارض أفعالهم التاريخية، كصلح الحسن وخروج الحسين رضي الله عنهما، مما يبيّن أن دعوى العصمة الإمامية ليست نصًا شرعيًا ثابتًا، بل فكرة كلامية متأخرة، دخلت على المذهب ثم فُرضت قسرًا لتبرير منظومة الإمامة، ولو أدى ذلك إلى مخالفة النصوص، والعقل، والواقع التاريخي.
أولاً: تعريف العصمة عن الشيعة الإمامية:

تعني أن الإمام معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها لا يزل عن الفتيا ولا يخطئ في الجواب ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا.

كما جاء في ميزان الحكمة ج1 ص 174.

وهذا هو رأي الشيعة بالنبي أيضًا كما في عقائد الإمامية ص51 حيث قال: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي).

وقفات مع عصمة الأنبياء -عليهم السلام- نقول:

لا يشك مؤمن ولا يرتاب عاقل فطن في أن الأنبياء هم أكرم الخلق وأكملهم ودائماً ما نسمع (إنه لا معصوم إلا الأنبياء) وهذا كلام سليم مسدد ولكنه ليس على إطلاقه!!
لا تستغرب هذا ولا تتعجب من حديثي فمقصدي هو أن الأنبياء قد يقع منهم النسيان وربما حصل منهم الخطأ بل حتى صغائر الذنوب قد تقع ولكنهم يسددون فيتوبون فيكون الكمال في حقهم أكثر بعد التوبة والحكم في ذلك كتاب الله أولاً ثم سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك في أدلة واضحة بينة فانظر إلى قوله عز وجل عن آدم ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي. وقال الله مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم. وأنظر إلى عتاب الله للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾. وكذلك يقول الله له:﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
أخي الكريم..

هل تأملت هذه الآيات وفهمت معناها؟؟!!

فتبين لك أن العصمة المطلقة من السهو والخطأ والنسيان وصغائر الذنوب لا تكون حتى للأنبياء ولا تعجب من هذا فالحق أحق أن يتبع وإن غلبتك عاطفتك فارجع إلى الآيات وحكم عقلك وإياك والهوى فإنه يعمي ويصم.

بل أن هذه العقيدة أولاً، وهي العصمة من الذنب والخطأ والسهو والنسيان لم تكن عند الشيعة أنفسهم كما جاء في بحار الأنوار ج25 ص350 حيث قيل للإمام الرضا وهو الإمام الثامن من الأئمة المعصومين عند الشيعة (أن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا – لعنهم الله – أن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو). فتأمل يا رعاك الله رد الإمام الرضا الذي يدل على أن هذا القول إنما ظهر متأخراً عن عصر الأئمة.

وإليك كلام ابن بابويه القمي من كتاب من لا يحضره الفقيه ج1ص234 حيث يقول: " أن الغلاة والمفوضة – لعنهم الله – ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم – يقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة فريضة كما أن التبليغ فريضة … وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسهونا لأن سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم إنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو. وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فأين هذا الكلام مما ورد في بحار الأنوار ج25ص350-351 من قول المجلسي:

 " أن أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأئمة – صلوات الله عليهم – من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله عز وجل ".
فهذا والله تناقض واضح بل إنه معارضة صريحة بين ما ورد هنا وهناك؟! بل حتى عند المجلسي نفسه فاقرأ قوله في بحار الأنوار ج25 ص 351، حيث يقول " المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو عنهم وإطباق الأصحاب إلا من شذ على عدم الجواز!

وتأمل أيها الأخ الكريم في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وانظر فيما قاله في نهج البلاغة ص335: " لا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام النفس، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ".

كما أن الإمام علي عليه السلام بين إنه لا بد من وجود أمير تناط به مصالح البلاد والعباد ولا يشترط فيه كونه معصوماً كما جاء في نهج البلاغة ص 82:" لا بد للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في أمرته المؤمن، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي ".

ثم انظر إلى الإقرار بالذنب من أمير المؤمنين في نهج البلاغة ص104:" اللهم إغفرلي ما أنت أعلم به مني، فإن عدت فعد علي بالمغفرة، اللهم أغفر لي ما وأيت من نفسي ولم تجد له وفاءً عندي اللهم إغفرلي ما تقربت له إليك بلساني ثم خالفه قلبي، اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان".!!!

فلو كان علي والأئمة معصومين لكان استغفارهم من ذنوبهم عبثاً.
وكل الأئمة قد نقل عنهم الاستغفار من الذنوب والمعاصي، فهذا أبو عبدالله يقول كما في بحار الأنوار ج25 ص207:" إنا لنذنب ونسئ ثم نتوب إلى الله متاباً ".
وهذا أبو الحسن موسى الكاظم يقول كما في بحار الأنوار أيضًا ج25 ص203:" رب عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت لأكمهتني، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لأصممتني ".

إن كنت قد احترت بهذا الدعاء وكونه منافياً للعصمة فقد سبقك نفر كثير طأطأ بعضهم رأسه وقبل على مضض مع عدم اقتناع، وسأل آخرون كما جاء في بحار الأنوار ج25 ص 203-205 حيث قال أحدهم:" كنت أفكر في معناه – أي الدعاء – وأقول: كيف يتنزل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه " ثم ذكر إنه سأل رضي الدين علي بن موسى بن طاووس عن هذا الإشكال فقال ابن طاووس:" أن الوزير مؤيد الدين العلقمي سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلم الناس ".

ويبدو أن ابن العلقمي اقتنع بالجواب ولكن صاحب الإشكال استدرك على جواب ابن طاووس وقال:" إني فكرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في الليل وليس عنده من يعلمه ".
يقول: "ثم خطر ببالي جواب آخر وهو إنه كان يقول ذلك على سبيل التواضع ".
ولكن لم يقنعه هذا الجواب واستقر جواب السائل على أن اشتغالهم بالمباحات من المأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح يعدونه ذنباً ويعتقدونه خطيئة ويستغفرون الله منه ".
ثم يذكر أن هذا هو الجواب الذي لاشيء بعده، ويتمنى حياة ابن العلقمي ليهديه إليه ويكشف حيرته به.أ.ه
ولكن إلا ترى أخي الكريم أن هذا الجواب الأخير يتعارض مع ما نهى عنه الإسلام من الرهبانية
ومن تحريم ما أحل الله:﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾.
وكيف يجعل الأئمة النكاح الذي هو من شرائع الإسلام ذنباً يستغفرون الله منه والله يقول:﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.أم كيف يعتبرون الأكل والشرب معاصي والله يقول:﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾.
وإن أردت الجواب على هذه المعضلة وهو ما يتفق مع واقع الأئمة وشرائع الإسلام هو بطلان دعوى العصمة بالصورة التي تراها الشيعة وأن الأئمة ليسوا بمعصومين من الخطأ والنسيان وهذا كما يتفق مع النصوص الشرعية فإنه ينسجم مع واقع الأئمة وبه تتحقق إمكانية القدوة.
ومما يهدم أساس العصمة أيضًا الخلاف البين الواضح بين الأئمة أنفسهم بل أحياناً بأجوبة مختلفة من إمام وأحد مما كان سبباً لترك التشيع عند بعض الشيعة ومن أوضح ذلك وأبينه ذلك التباين الواضح بين ما فعله الحسن وما فعله الحسين عليهما السلام لإنه أن كان الذي فعله الحسن حقاً وصواباً من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن وقوتهم فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم وكثرة أصحاب يزيد حتى قتل وقتل أصحابه جميعاً باطل غير واجب لأن الحسين كان أعذر في القعود من محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن وفي القعود عن محاربة معاوية وإن كان ما فعله الحسين حقاً صواباً من مجاهدته يزيد حتى قتل ولده وأصحابه فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه العدد الكثير باطل.
أخوتي الأفاضل:
هذا باختصار هو مفهوم العصمة عند الشيعة الإمامية:

نتمنى أن نرى في قسم الحوار الإسلامي في منتدى الدعاة إلى العلم النافع من يشمر عن ذراعيه، ويجالسنا على طاولة البحث العلمي بالأدلة وبآداب الحوار العلمي، بعيداً عن العواطف والانتصار للنفس والمكابرة، لعل الله أن يبصرنا في ديننا، ويهدينا جميعاً إلى طريق الحق والرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.