هل ثبت أن يزيد بن معاوية استباح المدينة؟ الحقيقة التاريخية والرد على الشبهات الشيعية
يتناول هذا المقال مزاعم الشيعة الرافضة حول استباحة يزيد بن معاوية للمدينة، وهي من الشبهات المغلوطة التي يتم تداولها بهدف تشويه صورة الشخصيات الإسلامية التاريخية. وقد تبين عند دراسة الروايات التاريخية أن أغلب هذه الروايات تالفة أو ضعيفة، ولم يثبت عنها أي سند صحيح، سواء من طريق الواقدي أو لوط بن يحيى أو المدائني أو البيهقي، وأن الروايات التي ذكرت هتك الأعراض أو اغتصاب النساء لا تصح ولا يمكن الاعتماد عليها.
المقال يوضح أن استخدام كلمة "الإباحة" في المصادر القديمة لم يقصد بها هتك أعراض النساء، بل كان يقصد بها القتل أو النهب في حالات الحروب، وأن الشريعة الإسلامية تحرم هتك أعراض النساء، كما أن العرب في الجاهلية والإسلام كانوا يغارون على نسائهم. المقال يوضح الحقائق التاريخية ويكشف مغالطات المزاعم الشيعية.
وأما الروايات التي تحكي استباحة يزيد بن معاوية المدينة فمنها:
أولا: من طريق الواقدي فهي تالفة، فالواقدي قال عنه ابن معين: «ليس بشيء».
• وقال البخاري: «سكتوا عنه» وقال أبو حاتم والنسائي «متروك الحديث».
• وقال أبو زرعة: «ضعيف».
ثانيا: من طريق لوط بن يحيى أبي مخنف، فقد قال فيه ابن عدي: «شيعي محترق: له من الأخبار ما لا أستحب ذكره ».
• وقال ابن حجر: «إخباريٌ تالِف. لا يوثق به »
• وقال أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل: «ليس بثقة متروك الحديث »
[انظر الكامل في الضعفاء6/93 ميزان الاعتدال3/419 لسان الميزان4/584 الجرح والتعديل7/182 سير أعلام النبلاء7/301-302].
أما الروايات التي جاء فيها هتك الأعراض:
◘ وهي التي أخرجها ابن الجوزي من طريق المدائني عن أبي قرة عن هشام بن حسّان: ولدت ألف أمرأة بعد الحرة من غير زوج، والرواية الأخرى التي أخرجها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان: قال:
◘ حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن المغيرة قال: إنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثة أيام . فزعم المغيرة إنه افتض ألف عذراء.
الروايتان لا تصحان للعلل التالية:
أما رواية المدائني فقد قال الشيباني: «ذكر ابن الجوزي حين نقل الخبر إنه نقله من كتاب الحرّة للمدائني».
«وهنا يبرز سؤال مهم: لمإذا لم يورد الطبري والبلاذري وخليفة وابن سعد وغيرهم هذا الخبر في كتبهم، وهم قد نقلوا عن المدائني في كثير من المواضع من تآليفهم؟
قد يكون هذا الخبر أُقحم في تآليف المدائني وخاصة أن كتب المدائني منتشرة في بلاد العراق، وفيها نسبة لا يستهان بها من الرافضة، وقد كانت لهم دول سيطرت على بلاد العراق وبلاد الشام ومصر في أن وأحد، وذلك في القرن الرابع الهجري، أي قبل ولادة ابن الجوزي رحمه الله؟
ثم أن كتب المدائني ينقل منها وجادة بدون إسناد " ا.هـ.
وذكر البيهقي:
قصة الاستباحة من طريق بن جعفر عن يعقوب بن سفيان الفسوي. وأول من أشار إلى انتهاك الأعراض هو المدائني المتوفى سنة225هـ.
ويعتبر ابن الجوزي أول من أورد هذا الخبر في تاريخه .
◘ في إسناد البيهقي عبد الله بن جعفر ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (2/400) وقال: «قال الخطيب سمعت اللالكائي ذكره وضعفه. وسألت البرقاني عنه فقال: ضعّفوه لإنه روى التاريخ عن يعقوب أنكروا ذلك، وقالوا: إنما حديث يعقوب بالكتاب قديماً فمتى سمع منه؟ "ا.هـ.
◘ وراوي الخبر هو:
المغيرة بن مقسم، من الطبقة التي عاصرت صغار التابعين، ولم يكتب لهم سماع من الصحابة، وتوفي سنة 136هـ، فهو لم يشهد الحادثة فروايته للخبر مرسلة.
◘ كذلك المغيرة بن مقسم مدلس ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين الذين لا يحتج بهم إلا إذا صرحوا بالسماع .
◘ وكذلك فإن الراوي عن المغيرة هو عبد الحميد بن قرط، اختلط قبل موته، ولا نعلم متى نقل الخبر هل هو قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط، فالدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .
◘ الرواية السالفة روِيَت بصيغة التضعيف، والتشكيك بمدى مصداقيتها: زعم المغيرة – راوي الخبر – إنه افتض فيها ألف عذراء.
- أمّا الرواية الأخرى التي جاء فيها وقوع الاغتصاب، هي ما ذكرها ابن الجوزي أن محمد بن ناصر ساق بإسناده عن المدائني عن أبي عبد الرحمن القرشي عن خالد الكندي عن عمّته أم الهيثم بنت يزيد قالت: «رأيت أمرأة من قريش تطوف، فعرض لها أسود فعانقته وقبّلته، فقلت: يا أمة الله أتفعلين بهذا الأسود؟ فقالت: هو ابني وقع عليّ أبوه يوم الحرة» ا.هـ
◘ خالد الكندي وعمّته لم أعثر لهما على ترجمة .
- أمّا الرواية التي ذكرها ابن حجر في الإصابة أن الزبير بن بكار قال: حدثني عمّي قال: كان ابن مطيع من رجال قريش شجاعة ونجدة، وجلداً فلما إنهزم أهل الحرة وقتل ابن حنظلة وفرّ ابن مطيع ونجا، توارى في بيت أمرأة، فلما هجم أهل الشام على المدينة في بيوتهم ونهبوهم، دخل رجل من أهل الشام دار المرأة التي توارى فيه ابن مطيع، فرأى المرأة فأعجبته فواثبها، فامتنعت منه فصرعها، فاطلع ابن مطيع على ذلك فخلّصها منه وقتله».
◘ وهذه الرواية منقطعة، فراوي القصة هو مصعب الزبيري المتوفى سنة 236هـ، والحرة كانت في سنة 63هـ، فيكون بينه وبين الحرة زمن طويل ومفاوز بعيدة .
◘ قلت: فلم نجد لهم رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات إباحة المدينة، بالرغم من أن شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر رحمهما الله قد أقراّ بوقوع الاغتصاب، ومع ذلك لم يوردا مصادرهم التي استقيا منها معلوماتهما تلك، ولا يمكننا التعويل على قول هذين الإمامين دون ذكر الإسناد.
◘ فمن أراد أن يحتج بأي خبر كان فلا بد من ذكر إسناده، وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيميّه حينما قال في المنهاج: «لا بد من ذكر الإسناد أولاً، فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يعرف إسناده في جُرْزَةِ بقل لم يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول» ا.هـ .
◘ فكيف نقبل الحكم الصادر على الجيش الإسلامي في القرون المفضلة بإنه ينتهك العرض دون أن تكون تلك الروايات مسندة، أو لا يمكن الاعتماد عليها!
◘ ثم على فرض صحتها جدلاً فأهل العلم حينما أطلقوا الإباحة فإنما يعنون بها القتل والنهب كما جاء ذلك عن الإمام أحمد، وليس اغتصاب النساء، فهذه ليست من شيمة العرب، فمن المعلوم أن انتهاك العرض أعظم من ذهاب المال، فالعرب في الجاهلية تغار على نسائها أشد الغيرة، وجاء الإسلام ليؤكد هذا الجانب ويزيده قوة إلى قوته.
◘ واستغل الرافضة هذه الكلمة – الإباحة – وأقحموا فيها هتك الأعراض، حتى أن الواقدي نقل بأن عدد القتلى بلغ سبعمائة رجل من قريش والأنصار ومهاجرة العرب ووجوه الناس، وعشرة آلاف من سائر الناس! وهو الذي أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم» ا.هـ.
◘ قلت (دمشقية): انتهى أهم ما جاء في هذه الرسالة الطيبة بعنوان (موقف المسلم من يزيد بن معاوية).
هذا وقد ثبت في الصحيح قول النبي «أول جيش يغزو القسطسنطينية مغفور له» (صحيح). وهذا لفظه «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»
(رواه البخاري3/1069 حديث رقم2766).
الشبهة:
|
تزعم بعض المصادر الشيعية أن يزيد بن معاوية استباح المدينة وقتل النساء واغتصبهن بعد حادثة الحرة، مستندين إلى روايات الواقدي، المدائني، ابن الجوزي، والبيهقي. |
◘ الرد على الشبهة
ضعف الروايات:
◘ الروايات من طريق الواقدي:
قال ابن معين: «ليس بشيء»،
وقال البخاري: «سكتوا عنه»،
وقال أبو حاتم والنسائي: «متروك»،
وأبو زرعة: «ضعيف».
◘ الروايات من طريق لوط بن يحيى:
قال ابن عدي: «شيعي محترق»،
وقال ابن حجر: «إخباري تالِف. لا يوثق به»،
وقال أبو حاتم: «ليس بثقة متروك الحديث».
◘ الروايات عن المغيرة بن مقسم أو خالد الكندي وعمته: كلهم رواة مرسلة أو ضعفاء أو لم يشهدوا الأحداث، وبالتالي الأخبار لا تصح.
عدم وجود تأكيد في كتب كبار المؤرخين:
◘ لم يورد الطبري، البلاذري، ابن سعد، خليفة أي رواية تثبت هتك الأعراض أو اغتصاب النساء.
◘ حتى ابن تيمية وابن حجر، رغم الإشارة إلى القتل والنهب، لم يثبت لديهم هتك أعراض النساء.
الفرق بين الإباحة والاغتصاب:
◘ كلمة "الإباحة" في المصادر القديمة تعني القتل أو النهب، وليس اغتصاب النساء.
◘ هتك الأعراض لم يكن من شيمة العرب، والإسلام شدد على حماية النساء، كما ذكر علماء الحديث والتاريخ.
الجيش الإسلامي بقيادة يزيد:
◘ يزيد شارك في غزو القسطنطينية ضمن الجيش الإسلامي، وهو دليل على التزامه بالسنة والجهاد المشروع، وليس استباحة المدينة أو هتك أعراض النساء.