آيات “يا أيها الذين آمنوا” بين الغلو الإمامي ومخالفة السنة
تقوم العقيدة الإمامية الاثنا عشرية على إضفاء صفاتٍ خاصة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تتجاوز حدّ الفضيلة المشروعة إلى مرتبةٍ من الاحتكار الدلالي للنص القرآني، حيث يُجعَل هو القائد والأمير والمقصود الأول بكل آيةٍ افتُتحت بنداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد صرّح بذلك كبار علمائهم، كما في كلام الصدوق الذي قرّر أن كل آية من هذا القبيل إنما عليٌّ قائدها وأولها.
وتكمن خطورة هذا الأصل في كونه لا يقف عند حدّ التفسير، بل يتحوّل إلى دعوى عقدية توجب العصمة الضمنية، وتمنع وقوع الخطأ أو المخالفة من علي رضي الله عنه، ولو خالف ظاهر القرآن أو السنة النبوية الصحيحة. غير أن الإشكال يظهر بوضوح عند تطبيق هذا الادعاء على بعض الآيات، ومنها آية سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
فقد روى المجلسي في عين الحياة – اعتمادًا على تفسير علي بن إبراهيم – أن سبب نزول الآية كان في علي رضي الله عنه، وبلال، وعثمان بن مظعون، حين ألزم كل وأحد منهم نفسه بنوعٍ من التحريم والزهد المخالف لهدي النبي ﷺ. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف يُجعل عليٌّ قائدًا لكل آيات الإيمان، ثم يُنسب إليه سبب نزول آيةٍ جاءت نهيًا عن فعلٍ ارتكبه؟ هذا المقال يتناول هذه الشبهة، ويقوم بتحليلها والرد عليها ردًا علميًا منضبطًا.
صياغة الشبهة:
|
تدّعي الإمامية أن: 1) كل آية تبدأ بـ (يا أيها الذين آمنوا) فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو قائدها وأميرها والمقصود الأول بها. 2) آية تحريم الطيبات نزلت – حسب رواياتهم – في علي رضي الله عنه، حين حلف أن لا ينام الليل أبدًا. 3) النبي ﷺ أنكر هذا المسلك، وقال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وعليه تُطرح الأسئلة الآتية: ◘ هل كان تحريم علي رضي الله عنه للطيبات صوابًا أم خطأ؟ ◘ هل وقع في مخالفة السنة النبوية؟ ◘ وإن كان كذلك، فكيف يكون قائد آيات الإيمان، مع كونه سببًا لنزول آية نهي وتوبيخ؟ |
الرد على الشبهة:
أولًا: الآية نهي وتصحيح لا مدح وتشريف
آية سورة المائدة جاءت بصيغة النهي الصريح: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
فهي خطاب تصحيحي لمن وقع في الغلو والتشدد، ولا يمكن بحالٍ جعلها منقبة أو تشريفًا لمن نزلت بسببه. فلو صحّ سبب النزول المذكور، فهو دليل على الخطأ لا العصمة.
ثانيًا: النبي ﷺ أنكر الفعل ولم يقرّه
النبي ﷺ لم يثنِ على هذا المسلك، بل أنكره علنًا على المنبر، وقرّر قاعدةً عامة:
«فمن رغب عن سنتي فليس مني» وهذا نصٌّ واضح في أن ما وقع منهم – ومنهم علي رضي الله عنه بحسب الرواية – مخالفة للسنة، لا اجتهادًا محمودًا.
ثالثًا: بطلان دعوى قيادة علي لكل آيات الإيمان
لو سلّمنا – جدلًا – بصحة الرواية، فإنها تنقض أصل الصدوق من أساسه؛ إذ لا يعقل أن يكون قائد آيات الإيمان هو نفسه ممن خوطبوا بالنهي والتصحيح. فالقيادة تقتضي الاتباع، لا الوقوع في المخالفة.
رابعًا: أهل السنة يثبتون الفضل لا العصمة
أهل السنة يعتقدون أن عليًا رضي الله عنه من كبار الصحابة وأئمة الهدى، لكنهم لا يثبتون له العصمة، ولا يرون بأسًا في وقوع الخطأ الاجتهادي منه، كما وقع من غيره من الصحابة، ويُصحَّح بالوحي والسنة، وهذا عين الكمال البشري، لا النقص.
خامسًا: الإشكال من داخل المنهج الإمامي
الإشكال هنا ليس سنيًّا، بل ناتج من التناقض الداخلي في الرواية الإمامية:
◘ إمّا أن يكون علي معصومًا وقائدًا لكل آيات الإيمان → فلا يصح سبب النزول.
◘ أو يكون سبب النزول صحيحًا → فتسقط دعوى القيادة والعصمة.
ولا يمكن الجمع بين الأمرين.
نص الرواية:
قال الصدوق: " وما من آية أولها: (يا أيها الذين آمنوا) إلا ابن أبي طالب قائدها، وأميرها، وشريفها، وأولها " اهـ
الاعتقادات في دين الإمامية - الصدوق - ص 87
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا أن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]، وقد ورد أن سبب نزول هذه الآية الكريمة عند الرافضة في علي رضي الله عنه، قال المجلسي: " وروى علي بن ابراهيم بسند صحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عن أبي عبدالله عليه السّلام إنه قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السّلام، وبلال، وعثمان بن مظعون. فأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام حلف أن لا ينام في الليل أبداً، وأما بلال حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأمّا عثمان بن مضعون فإنه حلف أن لا ينكح ابداً فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة: ما لي اراك متعطّلة؟ فقالت: ولمن أتزين؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فإنه قد ترهب، ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى: الصلاة جامعة.
فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات؟ إلا انّي أنام بالليل، وأنكح، وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي. فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فانزل الله: ﴿لا يُؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان...﴾ ثم بيّن كفارته " اهـ.
عَيْنُ الْحَيَاةِ – المجلسي – ج 1 ص 368
هل كان تحريم علي رضي الله عنه للطيبات التي أحلها الله تعالى صواب، أم خطأ؟!!!.
وهل وقع علي رضي الله عنه في المحظور فسبَّبَ ذلك قول النبي صلى الله عليه واله وسلم (فمن رغب عن سنتي فليس مني)؟.
هل كان علي رضي الله عنه يعلم بإنه قد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أم لا؟.