جاء الإسلام بدينٍ واضح المعالم، بيّن الأصول، جليّ المقاصد، تقوم حجّته على البيان لا على الإبهام، وعلى الوضوح لا على الغموض، وقد وصف الله وحيه بإنه نور وهدى وتبيان، لا أسرار مغلقة ولا معانٍ نخبوية لا يدركها إلا قِلّة مصطفاة. غير أن الفرقة الإمامية الاثني عشرية سلكت مسلكًا مخالفًا لهذا الأصل، فأسّست لعقيدة تقوم على تغليف أقوال الأئمة بالغموض المتعمد، ووصفتها بأنها «صعبة مستصعبة» لا يحتملها إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد ممتحن، بل زعمت أن كلامهم ينصرف على سبعين وجهًا، وأن من أنكر شيئًا منه وجب تركه وعدم مخاطبته.
ومن خلال هذه الدعوى، جعلت الإمامية الغموض فضيلة، والتناقض عمقًا، والاضطراب دلالة على الحق، حتى صار أي اعتراض على أقوالهم دليلًا على قصور الفهم لا على بطلان القول، وأُغلق باب النقد والمساءلة بحجة أن العقول لا تحتمل “أمرهم”. وهذا المنهج لا يخدم الوحي ولا الدين، بل يحوّل العقيدة إلى منظومة مغلقة تُدار بالتقديس لا بالبرهان.
ويهدف هذا المقال إلى عرض شبهة «حديثنا صعب مستصعب» كما وردت في كتب الإمامية المعتمدة، ثم نقضها نقضًا علميًّا، وبيان تعارضها مع القرآن، ومع منهج النبوة، ومع مقاصد البيان، وكشف آثارها الخطيرة في تعطيل العقل، وتقديس التناقض، وتحويل الدين إلى أسرار باطنية لا تُناقش.
273/4 ـ محمّد بن أحمد، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي، عن عبّاد بن يعقوب الأسدي، عن محمّد بن إبراهيم، عن فرات بن أحمد، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أن حديثنا تشمئزّ منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذوروهم. مسند الإمام علي لحسن القبانجي الجزء الأول ص91 في أن حديثهم صعب مستصعب، بصائر الدرجات للصفار ص43
277/8 ـ روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان قاعداً في المسجد وعنده جماعة من أصحابه فقالوا له: حدّثنا يا أمير المؤمنين فقال لهم: ويحكم أن كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون، قالوا: لابدّ من أن تحدّثنا، قال: قوموا بنا، فدخل الدار، فقال: أنا الذي علوت فقهرت، أنا الذي أحيي وأميت، أنا الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، فغضبوا وقالوا: كفر! فقال علي (عليه السلام): يا باب استمسك عليهم، فاستمسك عليهم الباب، فقال: ألم أقل لكم أن كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون؟ تعالوا أُفسِّر لكم، أمّا قولي أنا الذي علوت فقهرت فأنا الذي علوتكم بهذا السيف ففرّقتكم حتّى آمنتم بالله ورسوله، وأمّا قولي أنا اُحيي وأميت فأنا اُحيي السنّة وأميت البدعة، وأمّا قولي أنا الأوّل، فأنا أوّل من آمن بالله وأسلم، وأمّا قولي أنا الآخر، فأنا آخر من سَجّى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثوبه ودفنه، وأمّا قولي أنا الظاهر والباطن، فأنا عندي علم الظاهر والباطن، قالوا: فرّجت عنّا فرّج الله عنك.
مسند الإمام علي لحسن القبانجي الجزء الأول ص92 - 93 في أن حديثهم صعب مستصعب، بحار الأنوار للمجلسي الجزء 42 ص189
(1) حدثنا يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن منصور عن مخلد بن حمزة بن نصر عن أبي ربيع الشامي عن أبي جعفر عليه السلام قال كنت معه جالسا فرأيت أن أبا جعفر عليه السلام قد قام فرفع رأسه وهو يقول يا أبا الربيع حديث تمضغه الشيعة بألسنتها لا تدري ما كنهه قلت ما هو جعلني الله فداك قال قول علي بن أبي طالب عليه السلام أن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان يا أبا الربيع إلا ترى إنه يكون ملك ولا يكون مقربا ولا يحتمله إلا مقرب وقد يكون نبي وليس بمرسل ولا يحتمله إلا مرسل وقد يكون مؤمن وليس بممتحن ولا يحتمله إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان.
بصائر الدرجات للصفار ص46 باب (في أئمة آل محمد ص أن أمرهم صعب مستصعب)
حدثني محمد بن الحسين عن إبراهيم بن أبي البلاد عن سدير الصيرفي قال كنت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام اعرض عليه مسائل قد أعطانيها أصحابنا إذا خطرت بقلبي مسألة فقلت جعلت فداك مسألة خطرت بقلبي الساعة قال أليست في المسائل قلت لا قال وما هي قلت قول أمير المؤمنين أن أمرنا صعب مستصعب لا يعرفه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان فقال نعم أن من الملائكة مقربين وغير مقربين من الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين وإن أمركم هذا عرض على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقربه إلا الممتحنين.
بصائر الدرجات للصفار ص46 - 47
17 - ير: أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن الحسن بن حماد الطائي، عن سعد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة، فإذا وقع أمرنا وجاء مهدينا كان الرجل من شيعتنا أجرى من ليث، وأمضى من سنان، يطأ عدونا برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد.
بحار الأنوار للمجلسي الجزء 52 ص318
(باب) (سيره وأخلاقه وعدد أصحابه وخصائص زمإنه وأحوال) (أصحابه صلوات الله عليه وعلى آبائه)
1 - مع، ل، لى: علي بن الحسين بن شقير، عن جعفر بن أحمد بن يوسف الأزدي، عن علي بن بزرج الحناط، عن عمرو بن اليسع، عن شعيب الحداد قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: أن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، أو مدينة حصينة.
بحار الأنوار للمجلسي الجزء الثاني ص183
(6) حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن الأحول عن أبي عبد الله عليه السلام قال أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا أن كلامنا لينصرف على سبعين وجها.
بصائر الدرجات للصفار ص349 باب في الأئمة إنهم يتكلمون على سبعين وجها كلها المخرج ويفتون بذلك
أولًا: نص الشبهة كما تقررها كتب الإمامية
تتكرر في كتب الإمامية روايات تؤكد أن كلام الأئمة غير مفهوم لعامة الناس، وأنه لا يُحتمل إلا من فئات مخصوصة، ومن ذلك ما يُنسب إلى علي بن أبي طالب أنه قال:
«إن حديثنا تشمئزّ منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذوروهم»
وفي روايات أخرى يُنسب إليه أنه قال:
«إن كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون»
كما يقررون على ألسنة أئمتهم أن أمرهم:
«صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان»
ويصرّحون بأن أقوالهم تنصرف على سبعين وجهًا، وأن هذا التعدد كله حق، وأن الشيعة لا تكون فقهاء حتى يفهموا هذا التلوّن في الكلام.
ومن مجموع هذه النصوص يتضح أن الإمامية تجعل الغموض أصلًا عقديًا، وتعتبر عدم الفهم دليلًا على علوّ المقام، لا على فساد المضمون.
ثانيًا: الرد على الشبهة ونقضها
الغموض ليس من صفات الحق
الحق الذي أنزله الله لا يأتي بالألغاز ولا بالمعاني المتناقضة، بل بالبيان والوضوح. وقد وصف الله كتابه بأنه نور وهدى، لا لغزًا لا يحتمله إلا الخاصة. فكيف يُجعل الدين قائمًا على كلام “تشمئز منه القلوب” ولا يعقله الناس؟
النبي ﷺ لم يجعل الدين حكرًا على نخبة
رسول الله ﷺ بلّغ الدين للناس كافة، وخاطب العامة قبل الخاصة، ولم يقل يومًا إن كلامه لا يحتمله إلا ملك أو نبي، بل قال: «بلّغوا عني ولو آية». فدعوى أن أصل الدين لا يُفهَم إلا من فئة محدودة طعنٌ في البلاغ والرسالة.
اختلاف الكلام على سبعين وجهًا إقرار بالتناقض
القول بأن الكلام الواحد ينصرف على سبعين وجهًا كلها حق، يهدم معنى الحق نفسه؛ إذ لا يمكن أن تكون المعاني المتناقضة حقًا في آنٍ واحد. وهذا ليس عمقًا علميًا، بل فوضى معرفية تُستخدم لتبرير التناقضات.
جعل الإنكار دليل نقص لا دليل بطلان
قولهم: «من أنكر فذروهم» إلغاء للعقل، وإغلاق لباب المحاسبة العلمية، وجعل الاعتراض جريمة، وهي طريقة معروفة لحماية الباطل من النقد، لا لحماية الحق.
الأثر العقدي الخطير لهذه العقيدة
تؤدي هذه الدعوى إلى:
◘ تقديس الغموض والتناقض
◘ تعطيل العقل والنقد
◘ تبرير أي قول منسوب للأئمة مهما كان
◘ تحويل الدين إلى أسرار نخبوية
وكل ذلك مخالف لمقاصد الوحي ومنهج الإسلام.