انتشرت بين بعض أتباع الفرق الضالة، وبالأخص الروافض، شبهة تقول إن النبي ﷺ خصّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بخمس مزايا عظيمة على حد قولهم، ونقلوا ذلك من حديث ورد في فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل. ويستدلون بهذا الحديث على منزلة علي المطلقة، مع إدعاء أنه أفضل الصحابة، متجاوزين بذلك ما أقره الشرع من احترام الجميع مع مراعاة فضائلهم بالترتيب الذي ثبت شرعًا.
لكن عند التدقيق في سند هذا الحديث يتضح أن هناك أسبابًا قوية لعدم قبوله، إذ يحمل عللًا شديدة: فالحسين بن عبيد الله العجلي من المعروف عنه عند كبار المحدثين أنه من المدلسين والموضعين للحديث، كما أن عطية العوفي ضعيف الحفظ ومشهور بالتدليس، وهو من الطبقة الرابعة التي لا يُحتج بها إلا إذا صرح بالسماع، ما يجعل الحديث موضوعًا أو مرسلًا لا يُعتمد عليه.
وبذلك، يتبين أن هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به على فضائل علي رضي الله عنه بهذا الشكل، وأن الروافض يستخدمونه لمقاصد باطلة، بعيدًا عن منهج أهل السنة في نقل الحديث والتحقيق.
شبهة حديث "أعطيت في علي خمسة":
|
يدعي بعض أتباع الفرق الضالة، وبالأخص الروافض، أن النبي ﷺ خصّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بخمس مزايا عظيمة لا يملكها غيره من الصحابة، مستدلين بحديث ورد في فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل، حيث قال النبي ﷺ: "أُعطيت في علي خمسة، هن أحب إلي من الدنيا وما فيها: أما واحدة فهو تُكاي بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من الحساب، وأما الثانية فلواء الحمد بيده، آدم عليه السلام ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي، وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمي إلى ربي عز وجل، وأما الخامسة فلست أخشى عليه أن يرجع زانيًا بعد إحسان، ولا كافرًا بعد إيمان" ويستدلون بهذا الحديث على أن علي رضي الله عنه أفضل الصحابة جميعًا، وأنه له مكانة خاصة وعظيمة فوق الجميع، وأن ما أعطيه من فضائل خمس لا يشاركها أحد، ويصورون أن النبي ﷺ أقر بذلك صراحة. ويُروج لهذه الشبهة على أنها دليل على العصمة الخاصة لعلي رضي الله عنه أو تفوقه على بقية الصحابة، وهو ما يدفع بعض المتأثرين بالخط الشيعي إلى تبني هذا القول والاعتماد عليه في تعظيم علي رضي الله عنه على حساب صحابة النبي ﷺ الآخرين، رغم أن هذا الحديث يحمل عللًا شديدة في سند الرواة تجعله غير مقبول عند أهل السنة. |
الرد على الشبهة:
سند الحديث ضعيف:
◘ الحسين بن عبيد الله العجلي: معروف بالوضع والتدليس عند الذهبي وابن الجوزي.
◘ عطية العوفي: ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح، كما ذكر النسائي والذهبي وابن حجر.
الحديث موضوع للعلتين معًا:
◘ ضعف الرواة ووجود تدليس يجعل الحديث غير مقبول.
طبقة الرواة الرابعة لا يُحتج بهم إلا عند الصراحة، وهذا الحديث ليس فيه صراحة سماع مؤكدة.
خطر الاستشهاد به:
◘ استخدام الحديث للإشادة بعلي على حساب الصحابة الآخرين غير مقبول علميًا.
◘ الروافض يستغلونه لمقاصد مذهبية، بعيدًا عن منهج أهل السنة في التحقيق والتثبت.
قال الإمام أحمد:
" 1127 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ قثنا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُعْطِيتُ فِي عَلِيٍّ خَمْسًا، هُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: أَمَّا وَأحدةٌ، فَهُوَ تُكَايَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِهِ، آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ وُلِدَ تَحْتَهُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَوَاقِفٌ عَلَى عُقْرِ حَوْضِي يَسْقِي مَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّتِي، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ، فَسَاتِرٌ عَوْرَتِي وَمُسَلِّمِي إلى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ، فَلَسْتُ أَخْشَى عَلَيْهِ أن يَرْجِعَ زَانِيًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَلَا كَافِرًا بَعْدَ إِيمَانٍ "
فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل - ج 2 ص 661
هذا الحديث فيه علتان:
1 – الحسين بن عبيد الله العجلي. متهم بوضع الحديث، قال الإمام الذهبي: "1543 الْحُسَيْن بن عبيد الله الْعجلِيّ عَن مَالك كان مِمَّن يضع الحَدِيث "
المغني في الضعفاء – أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي - ج 1 ص 173
وقال الإمام ابن الجوزي:
"895 - الْحُسَيْن بن عبيد الله أبو عَليّ الْعجلِيّ حدث عَن مَالك قَالَ ابْن عدي يشبه أن يكون مِمَّن يضع الحَدِيث وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كان يضع الحَدِيث "
الضعفاء والمتروكون –عبد الرحمن بن علي بن الجوزي - ج 1 ص 215
2 – عطية العوفي ضعيف.
قال الإمام النسائي:
" (481) عطية العوفي ضعيف"
الضعفاء والمتروكين - أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي - ج 1 ص 225
وقال الإمام الذهبي:
" 4139 - د ت ق / عَطِيَّة بن سعد الْعَوْفِيّ الْكُوفِي تَابِعِيّ مَشْهُور مجمع على ضعفه"
المغني في الضعفاء – أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي - ج 2 ص 436
وقد ذكره الإمام ابن حجر في القسم الرابع في طبقات المدلسين.
حيث قال:"(122) خ د ت ق عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي معروف ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح "
المدلسين – أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر - ص 50
والطبقة الرابعة كما قال الإمام ابن حجر غير مقبولين إلا إذا صرحوا، فكيف إذا كان مع التدليس ضعف.
قال الحافظ:
" الرابعة من اتفق على إنه لا يحتج بشئ من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد "
طبقات المدلسين - أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر - ص 13