حكومة العوام عند الشيعة الإمامية

يُعَدّ باب الخُمس في المذهب الشيعي الإمامي من أكثر الأبواب الفقهية إثارةً للجدل؛ لما ترتّب عليه من آثار دينية ومالية وسياسية عميقة، أسهمت في تشكيل بنية المرجعية الشيعية، ورسّخت سلطة رجال الدين على أموال الأتباع وعقولهم. وقد كشف كثير من الباحثين والكتّاب – ومن داخل الوسط الشيعي نفسه – عن إشكالات خطيرة في طريقة بناء هذا الباب، سواء من جهة توسيع مفهوم الخُمس إلى سبعة أنواع من الأموال بلا نص قرآني صريح، أو من جهة الاعتماد على روايات مضطربة ومتعارضة، أو من خلال الخضوع لسلطة العوام والتقية في الفتوى.

ولا يقف الأمر عند الجانب المالي فحسب، بل يتعدّاه إلى قضايا عقدية وسلوكية، مثل القول بنجاسة أهل الكتاب ثم التراجع عنه سراً، أو السكوت عن الطقوس الدموية في عاشوراء، أو المجاملة في الفتوى خوفاً من العامة، وهي ممارسات أقرّ بها عدد من كبار فقهاء الشيعة أنفسهم في شهادات صريحة لا تقبل التأويل.

ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على علاقة الخُمس بظاهرة تديين المال، وتكريس سلطة المرجعية، وحكومة العوام، مع عرض أقوال كبار علماء الشيعة التي تكشف حجم التناقض بين القناعات الفقهية المعلنة، والمواقف الواقعية التي تحكمها المصالح والضغوط الشعبية، ومقارنتها بهدي النبي ﷺ وأهل بيته رضي الله عنهم في الزهد والبعد عن جمع الأموال.

أمن ذلك مثلاً مسألة طهارة الكتابي عند الشيعة، حيث ذهب أكثر فقهاؤهم إلى نجاسة أهل الكتاب وحرموا طعامهم وشرابهم حتى الخبز والماء الذي باشروه، وفسروا الطعام بالحبوب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم [المائدة: 5]، إلا أن الكثير من المراجع الحاليين يرون طهارة الكتابي ولكن تقيتهم من العوام تمنعهم من الإفتاء.

يقول مغنية في ذلك:

(إن كثيراً من المراجع الكبار على القول بطهارته، منهم السيد الحكيم والسيد الخوئي الذي أسر برأيه لمن يثق به)[1].

وقال في موضع آخر بأنه عاصر ثلاثة من المراجع:

الشيخ محمد رضا آل يس في النجف، والسيد صدر الدين الصدر في قم، والسيد محسن الأمين في لبنان، وقد أفتوا جميعهم بطهارة الكتابي وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا ذلك خوفاً من المهوشين، وأن الكثير من الفقهاء يقولون بالطهارة ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه[2].

ومثل ذلك القول في مراسم العزاء في عاشوراء وما يصاحبه من ضرب وتطبير بالسلاسل حتى تسيل الدماء.

يقول مغنية:

(ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران من لبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في اليوم العاشر من محرم عادة مشينة بدعة في الدين والمذهب، وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون أن يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب، ولم يجرأ على مجابهتها أحد في أيامنا إلا قليل من العلماء وفي طليعتهم المرحوم السيد محسن الأمين العاملي الذي ألّف رسالة خاصة في تحريم هذه العادة وبدعتها، وأسمى الرسالة (التنزيه لأعمال الشيعة) والذي اعتقده أنها ستزول بمر الأيام)[3].

وقد عانى السيد محسن الأمين من أولئك العاجزين عن مواجهة العوام، فبدلاً من أن يقفوا معه في محاربة هذه البدع وقفوا ضده خوفاً وتقية، منهم عبدالحسين صادق في النبطية والسيد عبدالحسين شرف الدين في صور وصالح الحلي الخطيب المشهور، وآل كاشف الغطاء والميرزا النائيني ومرتضى آل المظفر، واحتدم النزاع واشتد الصراع، وحمي وطيس المعركة، فانقسم الناس إلى طائفتين على ما اصطلح عليه العوام: (علويين) و(أمويين)، وكانوا الأمويون هم أتباع السيد محسن الأمين وقد كانوا أقلية لا يعتد بها وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى، وقد تجاوز الصراع الحدود المألوفة إلى خصومات ومهاترات والضرب والاعتداء، حتى قال الحلي في الأمين:

يا راكباً إما مررت بجلق=فأبصق بوجه أمينها المتزندق

وقال رضا الهندي:

ذرية الزهراء إن عددت=يوماً لتحصي الناس فيها الثنا

فلا تعدوا محسناً منهم=لأنها قد أسقطت محسنا

وقال آخر:

وما معول النجدي أدهي مصيبة=من القلم الجاري بمنع المآتم[4]

ويقول عالم شيعي آخر في هذا المقام:

 (وهناك معاناة أخرى يعانيها الشيعة إثر تبعيتهم لأولئك الفقهاء الذين سكتوا عن الحق.إنها المعاناة التي يعانيها الآلاف من الشيعة في يوم عاشوراء من ضرب السيوف على الرؤوس وضرب الأكتاف بالسلاسل إن هذا العمل بغض النظر عن المعاناة الجسدية فإنما هو تشويه لصورة الشيعة في العالم وفي الوقت نفسه إضرار بالنفس ومناقض لكرامة الإنسان)[5].

ويضيف شيعي آخر: (والحق يقال: إن ما يفعله الشيعة من تلك الأعمال ليست هي من الدين في شيء، ولو اجتهد المجتهدون وأفتى بذلك المفتون ليجعلوا فيها أجراً كبيراً وثواباً عظيماً، فإنني لم أقنع بتلك المناظر المنفرة التي تشمئز منها النفوس وينفر منها العقل السليم وذلك عندما يعري الرجل جسمه ويأخذ بيده حديداً ويضرب نفسه في حركات جنونية صائحاً بأعلى صوته: حسين حسين، حسين حسين، والغريب في الأمر والذي يبعث على الشك أنك ترى هؤلاء الذين خرجوا عن أطوارهم وظننت بأن الحزن أخذ منهم كل مأخذ فإذا بهم بعد لحظات وجيزة من انتهاء العزاء تراهم يضحكون ويأكلون الحلوى ويشربون ويتفكهون، وينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الموكب، والأغرب من ذلك أن معظم هؤلاء غير ملتزمين بالدين، ولذلك سمحت لنفسي بانتقادهم مباشرة عدة مرات وقلت لهم بأن ما يفعلونه هو فلكلور شعبي وتقليد أعمى.. ثم ذكر أن محمد باقر الصدر الذي أفاده بأن ما يراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم، ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء، وقال: وقد حضرت بنفسي في مناسبات عديدة مختلفة وفي بلدان عديدة موكب عاشوراء ولم أر أحداً من العلماء يفعل ذلك أبداً)[6].

وقال في قضية أخرى وهي التدخين في المساجد والمآتم عند الشيعة: (وإنني أستغرب من المراجع عند الشيعة الذين يحرمون اللعب بالشطرنج، ولا يحرمون التدخين، وشتان بين ضرر كل منهما، وإنني كثيراً ما كنت ناقماً على هذا الوضع، وكثيراً ما أثرت هذه المسائل مع بعض العلماء فلم أجد من عنده الجرأة الكافية لمنعه وتحريمه، وأذكر أن الشهيد الصدر لم يكن يدخن أبداً، وقد سألته عن التدخين فقال: أنا لا أدخن وأنصح كل مسلم أن لا يدخن. ولكني لم أسمع منه التحريم صراحةً، ويقال: إن بعض المراجع حرمه على المبتدئين وكرهه للمدخنين، وبعضهم يحرمه ولكن لا يجرؤ على التصريح بذلك خوفاًأن يتهم بأنه يعمل بالقياس، وعلى المراجع أن يقولوا فيه قولاً صريحاً ولا يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن يحرموه ولو اجتهاداً منهم، أما أن يسكت العلماء والمراجع لأن الناس لا يقبلون ذلك فهذه مشكلة، أو أنهم يخافون من ردة فعل المدخنين فلا يقولون بكراهته، وقد سمعت بعضهم يجهد لإقناعي بأن فيه فوائد كثيرة، وهذا أمر خطير له أبعاده، وقد شجع شبان المسلمين الذين يعرفونه على مداومة التدخين)[7].

وكتب ضد الشيخ الخالصي نحو خمسة عشر كتاباً، لأنه أبدى ملاحظات على الطقوس المذهبية الشيعية من بينها: المجالس الحسينية، ومواكب العزاء، فانفجرت العامة في وجه الخالصي، وأصدر بعض العلماء الشيعة فتاوى بتكفيره، وتعرض لحملة تعبوية ضارية، وأثار بعض المتعاملين الشيعة الصبية والأطفال للخروج في مظاهرات سخرية ضده.

ويمكن تلمس أثر المال في قيام كثير من الفقهاء بالفتوى حسب المشهور وليس وفقاً لقناعاتهم الخاصة، وذلك من أجل تجنب معارضة بقية العلماء لهم وأملاً في كسب الناس، ولو كانت المرجعية بعيدة عن المال لما وجد الفقهاء صعوبة في التعبير عن آرائهم بحرية والفتوى حسب الأدلة والبراهين المتوفر، كما يقول الكاتب.

وهذا آية الله النائيني صاحب كتاب "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" التي أثبت فيها مشروعية الحركة الدستورية، حيث اضطر تحت تأثير العوام بجمع كل نسخ الرسالة من المكتبات وإتلافها، وكان يقوم بشراء نسخها من الأسواق مهما كانت قيمتها تجاوباً مع العوام.

 وهذا السيد هبة الدين الشهرستاني في منتصف العقد الثاني من القرن الميلادي الحالي، أفتى السيد هبة الدين الشهرستاني بحرمة نقل الجنائز من الأماكن البعيدة إلى النجف الأشرف، لما يؤدي ذلك من أمراض على إثر تفسخ جثة الميت في الطريق، حيث أن وسائط النقل البدائية تتطلب زمناً طويلاً لإيصال الموتى إلى النجف، وبخاصة بالنسبة للأماكن البعيدة. ومن الناحية الفقهية تعنون هذه الحالة بعنوان «هتك حرمة الميت»، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة المقدسة، فقامت على إثر ذلك ضجة كبيرة تعرض أثناءها لمحاولة اغتيال فاشلة قام بها بعض العوام.

 وهذا الشيخ عبد الكريم اليزدي يروي آية اللّه المطهري، في كتابه الاجتهاد في الإسلام، أن مؤسس حوزة قم المقدسة الشيخ عبد الكريم اليزدي، طلب تدريس اللغات الأجنبية وبعض العلوم الحديثة، كمقدمات في الحوزة، لكي يتمكن طلبتها من عرض الإسلام على الطبقات الحديثة وفي البلدان الأجنبية. ولكن ما أن انتشر الخبر حتى جاءت جماعات من الناس من طهران إلى قم قائلين بأنهم يدفعون الخمس لتدريس الفقه والأصول إلى لغة الكفار، وأنهم سوف يفعلون كذا وكذا إذا نفذ هذا الاقتراح! فألغى الشيخ فكرته لأن الموقف قد يؤدي إلى انهيار الحوزة الوليدة.

 وهذا آية اللّه السيد البروجردي يروى الشيخ المطهري أيضاً في كتابه السابق أن السيد البروجردي ذكر في أثناء درسه الفقهي، ذات يوم، وبمناسبة البحث في تقية الشيعي من الشيعي، أنه -أي السيد البروجردي- كان يظن أن عليه أن يستنبط الأحكام وعلى الناس العمل بها، لكنه وجد بعد ذلك أن الأمر معكوس، فالناس تريد منه دائماً أن يفتي بما يوافق رغباتهم.

 ويروي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن السيد البروجردي بعث إلى هيئات العزاء الحسيني توجيهاً يطلب منهم فيه ترك العادات المخلة وغير الصحيحة أثناء إقامة مراسم العزاء، فكان جوابهم: أننا نقلدك في (364) يوماً من السنة ولكننا في يوم عاشوراء لا نقلدك.

 هذه مجرد أمثلة. وهناك أمثلة أخرى في حياة الإمام الشهيد الصدر والإمام الخميني على دور العوام السلبي في سير المرجعية.

 يقول آية اللّه المطهري في كتابه السابق:

(إن الآفة التي أصابت مجتمعنا الديني بالشلل وأقعدته عن العمل هي الإصابة بالعوام... أن منظومتنا الدينية على إثر إصابتها بهذه الآفة لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك أمام قافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، إنها مضطرة للتحرك وراء القافلة).

 ويقول أيضاً: (إن حكومة العوام هي منشأ رواج الرياء والمجاملة والتظاهر وكتمان الحقائق والاهتمام بالمظاهر وشيوع الألقاب والمقامات والتطلع إلى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم).

ويقول أيضاً: (إن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فين).

ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة أوجدت تذبذباً في حركة المصلحين، فنجد شخصية تقف إلى جانب الإصلاح في قضية إلى حد الزعامة، وفي الوقت نفسه تعارض الإصلاح في قضية أخرى وإلى حد الزعامة أيضاً.

 فالشيخ محمد رضا المظفر الذي قاد حركة الإصلاح في مناهج الحوزة ومؤسساتها الدراسية حتى وصل إلى قضية الخطابة الحسينية، محاولاً برمجتها فأثيرت في وجهه ضجة عنيفة، كان قبل ذلك يصطف مع الخط المعارض لحركة السيد محسن العاملي بشان إصلاح الشعائر الحسينية.

 والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم دوراً إصلاحياً في الجانبين السياسي والاجتماعي سجل معارضته لحركة السيد العاملي، والشيخ النائيني الذي وقف إلى جانب الإصلاح السياسي بقوة ختم حياته بمعارضة هذه الحركة أيضاً.

 إن حكومة العوام، وعدم التنسيق والتخطيط، وقوة الجناح المحافظ، وتضارب أدوار المصلحين، عوامل سلبية أضعفت حركة الإصلاح في حياة المرجعية وجعلتها أقل بكثير مما ينبغي[8].

وسيطرة العوام شديدة على كل رؤساء المذاهب الإسلامية بشكل عام، وتجرأ السيد هبة الدين الشهرستاني وقال بقدر كبير من الصراحة في الأربعينات من القرن الماضي في مجلته (العلم) في مقالة بعنوان: (علماؤنا والتجاهر بالحق) جاء فيها ما نصه: (وأما في القرون الأخيرة فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الإعلام. فصار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطف به بين العوام وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلالية غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنوناً من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام. حتى أنه بلغنا عن فقيه سأله أحد السوقيين عن يهودي بكى على الحسين (ع) فوقعت دمعته على ثوبي، هل نجس الثوب أم لا؟ فأجاب المسكين خوفاً منه: إن جواب هذه المسألة عند الزهراء (ع). وسأل سوقي آخر فقيهاً عمن شج رأسه للحسين (ع) فأجابه كذلك، إلى غير ذلك، لكن هذه الحالة تهدد الدين بانقراض معالمه، واضمحلال أصوله، لأن جهّال الأمم يميلون من قلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم، إلى الخرافات وبدع الأقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم، غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم)[9].

كانت في النجف وكربلاء وغيرهما من بلاد العراق وقراه عادة من أسوأ العادات يعمل فيها العوام والجهلة أفظع المنكرات جهاراً، وهي العشرة الأولى من ربيع الأول، حيث يضربون فيها (الطرقات والمفرقعات) التي تشبه أصواتها المزعجة أصوات المدافع في الأزقة والشوارع وبين أرجل العابرين، وأكثر ما يقع الضرب في الصحن الشريف وعلى قبور العلماء وعند رأس الإمام أمير المؤمنين رضي الله عنه، ويسمون هذه الأيام تاسع ربيع وعيد الزهراء، ويزعم أوباشهم أن كل منكر فيها جائز، ويؤذون الغرباء من طلاب العلم وأهل المدارس بكل إهانة واستخفاف، وقد استمرت هذه العادة السيئة منذ عشرات السنين بل المئات حتى تمكنت، وفي كل سنة يزداد شرها وويلاتها، ويشترك الرجال والأطفال والنساء في التكالب عليها والعمل بها، ولا يستطيح أحد من أهل العلم والصلاح معارضتها وإنكارها والردع عنها.

فلما رأى سماحته أن البلاء قد تعاظم وتفاقم وأنه مسؤول عند الله بسكوته، استشار بعض السادة الأبرار والمؤمنين الأخيار في تصدّيه للمنع عنها، فأنكروا عليه أشد الإنكار، وقالوا: (هذه عادة تمكّنت من نفوس هؤلاء الرعاع من عهد بعيد، ولا يمكنهم الإقلاع عنها، نحن نخشى لو صعدت المنبر لتمنعهم عنها أن يرمون بالطرقات وأنت على المنبر وتكون البلية أعظم!)[10].

وفي عهد حكم الشاه بدأ العمل بشق شارع في قم. ولكن الكثير من علماء تلك المدينة عرضوا هذا الشارع بذريعة أن الأهالي غير راضين ببيع أملاكم الخاصة ودورهم وعقاراتهم، وبعد انتهاء العمل فيه اجتنبوا السير فيه بحجة أنه مغصوب، فمشى فيه الإمام البروجردي الذي رأى في ذلك المشروع عملاً يصب في مسار الصالح العام فدافع عنه. فاعتبر البعض ذلك الموقف منه تأييداً لنظام الشاه، وسوغت لنفسها توجيه أنواع التهم إليه[11].

 لذا ظهرت دعوات تصحيحية قادها بعض دعاة الإصلاح في هذه الحوزات كمرتضى المطهري الذي قال: حكومة العامة منشأ رواج الرياء والمجاملة والتظاهر، وكتمان الحق، والاهتمام بالمظاهر، وشيوع الألقاب والمقامات، والتطلع إلى المراكز العليا. حكومة العوام تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا.

وقول هبة الدين الشهرستاني:

 (جهال الأمم يميلون من قلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم، إلى الخرافات وبدع الأقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم... غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم)[12].

وهكذا باع المراجع سكوتهم عن الحق بحفنةٍ من دولارات المريدين.

 

[1] تفسير الكاشف (3/18).

[2] فقه الإمام الصادق (33).

[3] الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة (184).

[4] السيد محسن الأمين، سيرته بقلمه وأقلام آخرين (115)، هكذا عرفتهم، للخليلي (1/209)، ديوان السيد رضا (153)، معجم الخطباء، لداخل حسن (1/98) نقلاً عن: مرجعية المرحلة وغبار التغيير، لجعفر الشاخوري.

[5] يا شيعة العالم استيقظوا (35).

[6] كل الحلول عند آل الرسول، للتيجاني (148).

[7] المصدر السابق (169).

[8] انظر: مدخل إلى دراسة الدور الحضاري للمرجعية الإسلامية، مجلة المنهاج، العدد (8)، مرجعية المرحلة وغبار التغيير، للشاخوري (327)، الاجتهاد في الإسلام، محاضرات في الدين والاجتماع (2)، لمرتضى المطهري.

[9] دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لعلي الوردي (232)، مجلة العلم، السنة الثانية (226) (267).

[10] الإمام كاشف الغطاء، لمحمد جاسم الساعدي (147).

[11] الإمام البروجردي، لعبدالرحيم أباذي (91).

[12] دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لعلي الوردي (232).