يتناول هذا المقال حادثة مشهورة في كتب الحديث والتاريخ تتعلق بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تشتكي مرضًا، فوجد امرأة تُعالجها أو تُرقيها، فأمرها بأن تُرقّيها بكتاب الله عز وجل. ورغم انتشار هذه الرواية في كتب مالك، ابن أبي شيبة، الخرائطي، والبيهقي، إلا أنها منقطعة ولا تصح، كما بين الإمام الألباني رحمه الله، بسبب أن عمرة بنت عبد الرحمن لم تدرك أبا بكر رضي الله عنه، فهي ولدت بعد وفاته بثلاث عشرة سنة.
ويُستشهد بهذه الرواية أحيانًا لتبرير الرقية بكتب أهل الكتاب، أو استخدام السحر، لكن التحقيق النقدي يبين أن الرواية ضعيفة الإسناد ومنقطعة، ولا يجوز الاحتجاج بها.
ويُؤكد هذا المقال على صحة الرقية بالقرآن أو بأسماء الله وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة، ويفند المزاعم المشوهة التي يروج لها أتباع الفرقة الضالة الشيعية، مع توضيح أن الرقية الصحيحة تتم بما يتوافق مع كتاب الله وتعاليم النبي ﷺ، وليس بما يوافق كتب غير موثوقة أو أعمال مشبوهة.
-19386 أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها قال أرقيها بكتاب الله.
سنن البيهقي الكبرى - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي - الجزء 9 الصفحة 349
الرواية منقطعة لا تصح، قال الإمام الألباني:
وقفت على ما هو أنكر عندي من استرقاء أمرأة ابن مسعود باليهودي، وهو ما روى يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: " ارقيها بكتاب الله ".
أخرجه مالك في " الموطأ " (3 / 121) وابن أبي شيبة (8 / 50 / 3663) والخرائطي في " مكارم الأخلاق " (2 / 977 /1105) والبيهقي (9 / 349) من طرق عنه.
قلت: وهذا إسناد رواته ثقات لكنه منقطع، فإن عمرة هذه لم تدرك أبا بكر رضي الله عنه، فإنها ولدت بعد وفاته بثلاث عشرة سنة. نعم في رواية للبيهقي من طريق محمد بن يوسف قال: ذكر سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر وعندها يهودية.. إلخ.
كذا قال: " عن عائشة "، فوصله عنها، وأظن إنه من محمد بن يوسف، وهو الفريابي. وهو ثقة فاضل ملازم لسفيان، وهو الثوري، ومع ذلك فقد تكلم ابن عدي وغيره في بعض حديثه عنه، فأخشى أن يكون وصله لهذا الإسناد مما تكلموا فيه، فيكون شاذا لمخالفته لتلك الطرق التي أرسلته، أو يكون الخطأ ممن دونه، فإنهم دونه في الرواية. بعد هذا البيان والتحقيق لا أرى من الصواب قول ابن عبد البر في " التمهيد " (5 / 278) جازما بنسبته إلى الصديق: " وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية الرقية بغير كتاب الله، وعلى ذلك العلماء، وأباح لليهودية أن ترقي عائشة بكتاب الله "! ثم إنه من غير المعقول أن يطلب
الصديق من يهودية أن ترقي عائشة، كما لا يعقل أن يطلب منها الدعاء لها، والرقية من الدعاء بلا شك، فإن الله عز وجل يقول: {وما دعاء الكافرين إلا
في ضلال}.
ويزداد الأمر نكارة إذا لوحظ أن المقصود بـ " كتاب الله " القرآن الكريم، فإنها لا تؤمن به ولا بأدعيته. وإن كان المقصود التوراة، فذلك مما لا يصدر من الصديق، لإنه يعلم يقينا أن اليهود قد حرفوا فيه، وغيروا وبدلوا.
سلسلة الأحاديث الصحيحة ج 6 ص 1168
(1) إسناده صحيح، وأبو أحمد الزبيري هو محمد بن عبد الله بن الزبير، وسفيان هو الثوري، والحديث في الإحسان 7/ 632 - 633 برقم (6066). وذكره صاحب الكنز فيه 10/ 9 برقم (28105) ونسبه إلى ابن حبان.
وأخرج مالك في العين (11) باب: التعوذ والرقية في المرض، من طريق يحيى ابن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن "أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي- ويهودية ترقيها- فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله".
وهذا إسناد منقطع: عمرة لم تسمع أبا بكر، والحديث موقوف عليه أيضًا.
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان تحقيق حسين اسد ج 4 ص 404
قول إسناده صحيح لا يعني أن الحديث صحيح:
يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله:
" قولهم: (هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد) دون قولهم: (هذا حديث صحيح أو حديث حسن) لإنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح لكونه شاذا أو معللا " انتهى. " مقدمة في علوم الحديث " (ص/23)
ويقول ابن كثير:
" الحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذا أو معللاً " انتهى. " اختصار علوم الحديث " (ص/43) ولو صحت الرواية فان المقصود بالرقية هنا الأدوية، فلما أتى أبي بكر قال ارقيها بكتاب الله:
ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرض، ونحو ذلك[1] كالعسل {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69]، وكقراءة القرآن فيها شفاء، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:83]
تسهيل العقيدة الإسلامية لابن جبرين ج 1 ص 382
قال بعضهم أن أبي بكر يقصد الرقية بالتوراة او الانجيل وهذا احتمال وليس قطعي فالقول الاول اظهر وقد رد هذا القول الإمام الألباني كما سبق:
(ش): قَوْلُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْيَهُودِيَّةِ ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ظَاهِرُهُ إنه أَرَادَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أن يُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، أَوْ رُقْيَةً مُوَافِقَةً لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِأَنْ تَظْهَرَ رُقْيَتُهَا فَإِنْ كانتْ مُوَافِقَةً لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أمرهَا بِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا: أُحِبُّ رُقَى أهل الْكِتَابِ وَكَرِهَهُ وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذا لَمْ تَكُنْ رُقْيَتُهُمْ مُوَافِقَةً لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا كانتْ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَمَا فِيهِ كُفْرٌ مُنَافٍ لِلشَّرْعِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَرْقِي بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَعَنْ الَّذِي يَكْتُبُ الْحِرْزَ وَيَعْقِدُ فِيمَا يُعَلِّقُهُ بِهِ عَقْدًا وَاَلَّذِي يَكْتُبُ حِرْزَ سُلَيْمَانَ إنه كَرِهَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكان الْعَقْدُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ كَرَاهِيَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ السِّحْرِ وَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4]- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
المنتقى شرح الموطإ ج 7 ص 261
(4) قوله: ارقيها بكتاب الله، أي بالقرآن أن رُجِيَ إسلامها أو التوراة أن كانت معرَّبة بالعربي أو أمن تغييرهم لها، فتجوز الرقية به، وبأسماء الله وصفاته، وباللسان العربي، وبما يُعرف معناه من غيره بشرط اعتقاد أن الرقية لا تؤثر بنفسها، بل بتقدير الله، قال عياض: اختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم، وبالجواز قال الشافعي إذا رقوا بكتاب الله، كذا قال الزرقاني.
وفي "شرح القاري":
يحتمل أن يكون أمراً بأن ترقيها بما في كتاب التوراة من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى مما يعرف صحته ومعناه، ويحتمل أن يكون على صيغة المتكلم أي أنا أرقيها بكتاب الله فيكون متضمناً للنهي عن رقيها.
التعليق الممجد على موطأ محمد ج 3 ص 382
أما حديث أن الرسول قال ارقيها بكتاب الله، فلم يذكر بالحديث إنها كانت يهودية
- أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَأمرأَةٌ تُعَالِجُهَا أَوْ تَرْقِيهَا، فَقَالَ: "عَالِجِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ" (رقم طبعة با وزير: 6066)، (حب) 6098 [قال الألباني]: صحيح - "الصحيحة" (1931).
نقلاً من المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة ج 6 ص 127
[1] كان يستعمل دواء أو رقية للعلاج من مرض، وكان يجري عملية جراحية لاستئصال مرض أو علاجه، وكان يأخذ السلاح ويلبس الدرع في حال الحرب، وكان يحمل الزاد معه في السفر ونحو ذلك.