شهداء المصحف وأحداث الفتنة: قراءة نقدية للفتوح

يحكي التاريخ عن مواقف بطولية لشهداء المصحف أثناء الفتنة الكبرى، وتحديدًا في حادثة أصحاب الجمل، حيث واجه فتىٌ حاملٌ للقرآن خطر القتل دفاعًا عن كتاب الله عز وجل، واضطر إلى التمسك بالمصحف حتى فُقدت يداه، ثم قُتل ضربًا على صدره. ويبرز في الرواية دور علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنه محمد بن الحنفية في القتال، بما يظهر شجاعة الإمام وحرصه على نصرة الدين.

ويستشهد بعض المؤرخين الشيعة مثل أحمد بن أعثم الكوفي في رواية هذه الأحداث، لكنه ضعيف الإسناد عند أصحاب الحديث، وهو معروف بانحيازه وخلطه بين الأخبار الصحيحة والمفتريات، كما أشار إلى ذلك ياقوت وبيهقي.
ويهدف هذا المقال إلى دراسة الحادثة من منظور نقدي تاريخي، وبيان ضعف المصادر الشيعية في هذه الرواية، مع توضيح مواقف أهل البيت الحقيقية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي روجتها الفرقة الضالة، مع إبراز أفعال البطولة والشجاعة التي شهدتها المعارك الكبرى دفاعًا عن الإسلام والمصحف.

ثم أخذ الفتى المصحف وانطلق به إليهم، فقال: يا هؤلاء! هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، قال: فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها،

فأخذ المصحف بشماله فقطعها، فاحتضن المصحف بصدره، فضرب على صدره حتى قتل - رحمه الله (3) -.

قال: فنظرت إليه أمه وقد قتل، فأنشأت تقول أبياتا مطلعها: يا رب أن مسلما أتاهم * بمحكم التنزيل إذ دعاهم (4) إلى آخرها.

قال: وأنشأ ابن عم له يرثيه ويقول أبياتا مطلعها: تناوله شقي منهم بضربة * أبان بها يمناه حتى تصوب إلى آخرها.

ذكر إذن علي حينئذ في القتال.

ثم دفع علي رضي الله عنه رايته إلى ابنه محمد ابن الحنفية وقال: تقدم يا بني! فتقدم محمد ثم وقف بالراية لا يبرح، فصاح به علي رضي الله عنه: اقتحم لا أم لك! فحمل محمد الراية فطعن بها في أصحاب الجمل طعنا منكرا وعلي ينظر، فأعجبه ما رأى من فعاله فجعل يقول: أطعن بها (1) طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد (2) قال: فقاتل محمد ابن الحنفية ساعة بالراية ثم رجع، وضرب علي رضي الله عنه بيده إلى سيفه فاستله ثم حمل على القوم، فضرب فيهم يمينا وشمالا ثم رجع وقد انحنى سيفه، فجعل يسويه بركبته فقال له أصحابه: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين! فلم يجب أحدا حتى سواه ثم حمل ثانية حتى اختلط بهم، فجعل يضرب فيهم قدما قدما حتى انحنى سيفه. ثم رجع إلى أصحابه، ووقف يسوي السيف بركبته وهو يقول: والله ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة! ثم التفت إلى ابنه محمد ابن الحنفية وقال: هكذا اصنع يا بني!

الفتوح – أحمد بن اعثم الكوفي ج 2 ص 473

[433] "أحمد" بن أعثم الكوفي الأخباري المورخ قال ياقوت كان شيعيا وعند أصحاب الحديث ضعيف وصنف كتاب الفتوح إلى أيام الرشيد وصنف تاريخا من أول دولة المأمون إلى آخر دولة المقتدر وله نظم وسط.

لسان الميزان ج 1 ص 138

3 - (الْكُوفِي الأخباري)

أحمد بن أعثم الْكُوفِي أبو مُحَمَّد الأخباري المؤرخ الشيعي قَالَ ياقوت هُوَ عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث ضَعِيف لَهُ كتاب المألوف وَكتاب الْفتُوح مَعْرُوف ذكر فِيهِ إلى أَيَّام الرشيد وَله التَّارِيخ إلى أَيَّام المقتدر ابتدأه بأيام الْمَأْمُون ويوشك أن يكون ذيلاً على الأول.

الوافي بالوفيات ج 6 ص 160

أحمد بن أعثم الكوفي أبو محمد الأخباري المؤرخ:

كان شيعيا وهو عند أصحاب الحديث ضعيف وله كتاب المألوف، وكتاب الفتوح [1] معروف، ذكر فيه إلى أيام الرشيد، وله كتاب التاريخ إلى آخر أيام المقتدر ابتدأه بأيام المأمون ويوشك أن يكون ذيلا على الأول، رأيت الكتابين. وقال أبو علي الحسين بن أحمد السلامي البيهقي أنشدني ابن أعثم الكوفي:

إذا اعتذر الصديق إليك يوما... من التقصير عذر أخ مقرّ

فصنه عن جفائك وارض عنه... فإنّ الصفح شيمة كلّ حرّ

معجم الادباء – ارشاد الاريب إلى معرفة الاديب ج 1 ص 202

ولما تقدم وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلا فقد فجره تشبهه بيهودي يدعى نعثلا حتى إذا قتل وبايع الناس عليا قالت: ما أبالي أن تقع السماء على الأرض قتل والله مظلوما وأنا طالبة بدمه فذكرها عبيد بما كانت تقول فقالت: قد والله قلت وقال الناس فأنشد:

فمنك البداء ومنك الغير... ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام... وقلت لنا إنه قد فجر

كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء، ومثل ذلك في الكذب زعمهم أنها رضي الله تعالى عنها ما خرجت وسارت إلى البصرة إلا لبغض علي كرّم الله تعالى وجهه فإنها لم تزل تروي مناقبه وفضائله.

روح المعاني للالوسي ج 11 ص 192