يستدلّ بعض أتباع الفرقة الرافضية الضالّة بأثرٍ مرويّ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صفة وضوء النبي ﷺ، وفيه أن غلامًا مكاتبًا كان يدخل عليها، لترويج شبهاتٍ باطلة تمسّ حياء أم المؤمنين أو تشكّك في التزامها بالحجاب. ويزيدون على ذلك بادعاءاتٍ فقهيةٍ مأخوذة من كتبهم، يقرّرون فيها جواز نظر العبد إلى شعر مولاته وساقها، ليُسقطوا تلك الانحرافات على سيرة أم المؤمنين رضي الله عنها.

ويغفل هؤلاء – عمدًا – عن التحقيق الحديثي الدقيق للأثر، وعن القواعد المقررة عند أئمة أهل السنة في باب الجرح والتعديل، كما يتجاهلون الفارق الجوهري بين المنهج السني القائم على الإسناد والضبط، والمنهج الرافضي الذي يشرعن الانحرافات الأخلاقية بنصوصٍ موضوعة أو شاذة.

ويهدف هذا المقال إلى دراسة هذا الأثر دراسةً حديثية نقدية، وبيان علّته، وشرح كلام الأئمة فيه، مع توضيح أن فعل عائشة – على فرض صحة القصة – لا إشكال فيه أصلًا، وأن ما قرّره فقهاء الرافضة في هذا الباب هو الدليل الحقيقي على انحراف منهجهم، لا على سيرة أم المؤمنين التي حفظها الله وطهّرها وزكّاها.

قال الإمام النسائي:

" أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ جُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوأن بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أبي ذُنَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أبو عَبْدِ اللَّهِ سَالِمٌ سَبَلَانُ قَالَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَعْجِبُ بِأَمَانَتِهِ وَتَسْتَأْجِرُهُ فَأَرَتْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ فَتَمَضْمَضَتْ وَاسْتَنْثَرَتْ ثَلَاثًا وَغَسَلَتْ وَجْهَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَتْ يَدَهَا الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَالْيُسْرَى ثَلَاثًا وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَأحدةً إلى مُؤَخِّرِهِ ثُمَّ أَمَرَّتْ يَدَهَا بِأُذُنَيْهَا ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ قَالَ سَالِمٌ كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا مَا تَخْتَفِي مِنِّي فَتَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيَّ وَتَتَحَدَّثُ مَعِي حَتَّى جِئْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ ادْعِي لِي بِالْبَرَكَةِ يَا أم الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ أَعْتَقَنِي اللَّهُ قَالَتْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَأَرْخَتْ الْحِجَابَ دُونِي فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ "

سنن النسائي - بَاب مَسْحِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا – ج 1 ص 183

هذا الأثر صحح إسناده الإمام الألباني، ولكن من الناحية الحديثية، فإن الأثر ضعيف ولا يصح والله اعلم، وعلته عبد الملك بن مروأن بن الحارث، فإنه مجهول، ولم يرد توثيقه إلا عند الإمام ابن حبان، وابن حبان متساهل في توثيق المجاهيل كما نص على ذلك الائمة.

قال الإمام الذهبي في ترجمة عمارة بن حديد:

"صخر لا يعرف إلا في هذا الحديث الوأحد. ولا قيل إنه صحابي إلا به. ولا نَقَلَ ذلك إلا عمارة. وعمارة مجهول كما قال الرازيان، ولا يفرح بذكر ابن حبان له في الثقات، فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف"

ميزان الاعتدال – محمد بن أحمد الذهبي - ج 3 ص 175

وقال العلامة المعلمي:

"ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكر وأن كان الرجل معروفاً مكثرا والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء"

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل – عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - ج 1 ص 160

وفي سؤلات الشيخ أبو الحسن المأربي للإمام الألباني:

س5: ما القول في توثيق العجلي رحمه الله؟

الجواب: العجلي رحمه الله معروف بالتساهل في توثيقه فانفراده كانفراد ابن حبان رحمه الله"

سؤالات أبو الحسن المأربي للعلامة المحدث الألباني – كتبه أبو المسور المصري – ج 1 ص 2

قال الحافظ ابن حجر:

" 4212 - عبد الملك بن مروأن بن الحارث بن أبي ذباب بضم المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة الدوسي المدني مقبول من السادسة س"

تقريب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر – ص 627

وقال الحافظ:

" 780 - "س عبد الملك" بن مروأن بن الحارث بن أبي ذباب2 الدوسي المدني روى عن أبي عبد الله سالم سبلان عن عائشة في صفة الوضوء وعنه الجعد بن عبد الرحمن قلت ذكره بن حبان في الثقات "

تهذيب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر – ج 6 ص 422

وقال الحافظ ابن حجر في معنى قوله مقبول:

" الخامسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الاشارة بلفظ " مقبول " حيث يتابع، وإلا فلين الحديث "

تقريب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر – ص 8

فلا أدرى كيف فات الإمام الألباني انفراد ابن حبان في توثيق عبد الملك، ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته بأن من روى عنه الجعد بن عبد الرحمن، ولم يذكر غيره، ومعنى هذا إنه مجهول كما هو معلوم في علم الحديث في تعريف المجهول، وكذلك حكم الحافظ ابن حجر عليه بقوله (مقبول) وأن المقبول تُقبل رواياته إذا تابعه أحد والا فلين الحديث، فسبحان من له الكمال دون غيره، فالأثر من الناحية الحديثية ضعيف ولا يصح، إلا أن يكون له طريق اخر يصلح للمتابعة، ولكن حسب علمي لا يوجد والله اعلم.

قال السندي:

 وهذا مبني على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولعله كان عبدا لبعض أقرباء عائشة، وأنها كانت ترى جواز دخول العبد على سيدته وأقربائها. اهـ.

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى جزء 2 صفحة 533

ولا إشكال في الرواية ولا في فعل عائشة رضي الله عنها. فإنها كانت تكشف عليه لما كان مملوكا. فلما أخبرها إنه كاتب سيده وأطلقه أرخت الحجاب بينها وبينه.

في الموثق كالصحيح، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس .

وفي الموثق كالصحيح، عن يونس بن عمار ويونس بن يعقوب جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها إلا - إلى شعرها غير متعمد لذلك - وفي رواية أخرى لا بأس أن ينظر إلى شعرها إذا كان مأمونا.

روضة المتقين لمحمد تقي المجلسي ج 8 ص 351

الأُولى: ما دلّ على الجواز، كصحيحة معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المملوك يرى شعر مولاته وساقها؟ قال: « لا بأس» (3)

وصحيحة إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أينظر المملوك إلى شعر مولاته؟ قال: «نعم، وإلى ساقها» (4) .

النظر إلى مالكته أو غيرها (1) كما لا يجوز للعنِّين والمجبوب.

شرح العروة الوثقى للخوئي الناشر: مؤسسة احياء اثار الإمام الخوئي قدس سره الطبعة الثانية كتاب النكاح ج 32 ص 74

 

 

قال الكليني:

وفي رواية اُخرى لا بأس بأن ينظر إلى شعرها إذا كان مأموناً (3) .

وعن معاوية بن عمّار في الحسن وغيره قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المملوك يرى شعر مولاته وساقها؟ قال: لا بأس (4). ونحوه صحيحة إسحاق بن عمّار أو موثّقته (5). ونحوه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (6) لكن لم يذكر فيها الساق.

وفي صحيحة معاوية بن عمّار أيضاً: لا بأس أن يرى المملوك الشعر والساق (7).

كفاية الاحكام المحقق السبزواري ج 2 ص 86

قال الكليني: وفي رواية أخرى " لا بأس أن ينظر إلى شعرها، إذا كان مأمونا "

 وعن معاوية بن عمار (2) بسندين أحدهما صحيح والآخر حسن في قوة الصحيح، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المملوك يرى شعر مولاته وساقها؟ قال: لا بأس " .

وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) في الصحيح والموثق، بأبان بن عثمان " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس".

الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج 23 ص 69

(ولا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) * ثمّ قال: يا بني لا بأس أن يرى المملوك الشعر والرأس.

وفي صحيح السري قال:

 سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن المملوك يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس.

وفي حسنة الحلبي بل صحيحته عن ابن عمار قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): المملوك يرى شعر مولاته وساقيها؟ قال: لا بأس به .

ومعتبرة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام) أينظر المملوك إلى شعر مولاته؟ قال: نعم والى ساقها .

وفي موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها إلا إلى شعرها غير متعمد لذلك.

الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع للشيخ حسين ال عصفور ج 10 ص 374

وغيرها كثير

مستند الشيعة للنراقي 16/53 والكافي للكليني5/531 وسائل الشيعة20/223 للحر العاملي، مستمسك العروة الوثقى14/43 لمحسن الحكيم

ورواه الطوسي في المبسوط (6/72) والطبرسي في مستدرك الوسائل (16/26 ورواه ابن أبي جمهور الاحسائي (عوالي الآلي3/435).