تُثار بين الحين والآخر شبهاتٌ قديمةٌ بثوبٍ جديد، تستهدف الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عبر اقتطاع نصوصٍ حديثيةٍ من سياقها، أو توظيف رواياتٍ صحيحةٍ على غير وجهها، أو الاستدلال بضعيفٍ ومعلولٍ لإيهام القارئ بمقاصد لم يقلها الشرع ولم يردها النبي ﷺ. ومن أبرز تلك الشبهات ما تروّجه الفرقةُ الضالةُ من روايةٍ زعموا أنها تتضمن دعاء النبي ﷺ على عائشة بقطع اليد ووصفها بالجنون، ثم بنوا على ذلك طعنًا في أخلاقها وإيمانها.
ويهدف هذا المقال إلى عرض الرواية عرضًا علميًا منضبطًا، وبيان طرقها وأحكام أئمة الحديث عليها، ثم شرح ألفاظها على ضوء القواعد الشرعية والسياق النبوي العام، مع إبراز النصوص المفسِّرة التي تقلب دعوى الطعن إلى دلالةٍ صريحة على فضل عائشة رضي الله عنها، وعدل النبي ﷺ، وبطلان استدلالات الفرقة الضالة القائمة على التدليس وبتر النصوص.

نص الرواية: 

حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن بن أبي ذئب قال حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان مولى عائشة عن عائشة قالت: «دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بأسير فلهوت عنه، فذهب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل الأسير؟ قالت: لهوت عنه مع النسوة. فخرج فقال: مالك قطع الله يدك أو يديك فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاؤوا به فدخل علي وأنا أقلب يدي. فقال مالك أجننت؟ قلت دعوتَ علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان. فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدا وقال: اللهم اني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاة وطهورا».

رواه احمد في (المسند6/54 ح24304). وقال شعيب الأرناؤوط « إسناده صحيح على شرط الشيخين). وورد من طريق زيد بن الحباب أن النبي قاله في حق حفصة وليست عائشة. قال زيد: «حدثني حسين بن واقد...» رواه أحمد في (المسند3/141). وهو ضعيف. فيه حسين بن واقد. عنده مناكير.

دراية الحديث:

نشر الرافضة هذه الشبهة وقالوا:

 ما حكم عائشة التي دعا النبي عليها بقطع يديها ووصفها بالجنون؟

والجواب:

 أن هذا الحديث ينقلب ببيان النبي في آخره زكاة وطهورا ومغفرة لعائشة ولكن أتباع اليهودي ابن سبأ لا يفقهون. فقد أوضح النبي في آخر كلامه أن دعاءه الأول إذا صدر في لحظة منه على أي مؤمن يبطل وينقلب مغفرة له وزكاة وطهورا له إذا لم يكن بأهل لدعوته.

ولهذا نسأل الرافضة:

 أليس دعاء النبي مستجابا؟ فلماذا لم يستجب الله لدعوة نبيه e؟ فلم يقطع يديها ولم يأمر النبي ان يطلقها؟ وهل ترضون ان يتزوج امرأة بمثل أخلاق عائشة؟ ما لكم تمتنعون عن ذلك ورسول الله قد فعل ذلك؟ أيعقل أن يأمرنا النبي أن نتزوج بذات الدين ثم هو يتزوج من ليست كذلك؟

أليس يلزم من هذا أن النبي قد خالف قوله تعالى ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾.

ثم صرخ الشيعة:

 هل هذا من اخلاق النبي أن يدعو على الناس بقطع اليد؟

قلت: نعم يليق به وهو الذي يغضب كما يغضب البشر. ولهذا سأل ربه أن يجعل ذلك مغفرة له.

ولكن: لو سألناكم هل تؤمنون على دعاء النبي عليها أم أنكم تعترضون على ذلك.

ولو سألناكم: هل من أخلاق النبي أن يمشي عاري الجسم ويمشي بين النساء كما رواه الكليني في كتاب (الكافي5/513) وصححه المجلسي في (مرآة العقول20/329).

وهل من أخلاق النبي أن ينام وعن يمينه علي وعن شماله عائشة ثم يذهب الى المسجد ويترك عليا وعائشة تحت لحاف واحد كما يروي ذلك المجلسي عن المقداد أن عليا كان ينام مع عائشة تحت لحاف واحد وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب (بحار الأنوار101/49). (وانظرسليم بن قيس الهلالي العامري (ص814 ح رقم36 و903 ح رقم60)؟

وهل من أخلاق النبي ما يدعيه الرافضة أنه e كان لا ينام حتى يقبل عرض وجنة فاطمة وينام بين ثدييها (بحار الأنوار43/42 و54 و78 كشف الغمة1/467) وأنه لما تزوجها علي أتى النبي بماء ومضمض به ثم نضحه بين ثدييها (بحار الأنوار43/96 و116 الأمالي للطوسي42).

وهل يليق بعلي أن يقول لخالد بن الوليد « كذبت لا أم لك، من يفعله أضيق حلقة است منك» (بحار الأنوار29/137 الاحتجاج للطبرسي1/113).

وهل من أخلاق النبي أن لا ينام حتى يضع رأسه بين ثديي فاطمة؟

وهل يليق بعلي أن يقول لخالد بن الوليد « كذبت لا أم لك، من يفعله أضيق حلقة است منك» (بحار الأنوار29/137 الاحتجاج للطبرسي1/113).

نعم هو بشر صلى الله عليه وسلم ويغضب كما يغضب البشر، ولذلك لما دعا على جارية أم سلمة وسألته عن ذلك أم سلمة قال: « يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أنى اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة» (رواه مسلم).
وعن عائشة قالت: « دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فسبهما ولعنهما فلما خرجا قلت له فقال اوما علمت ما شارطت عليه ربي قلت اللهم انما انا بشر فآي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا».

وقد روى الشيعة ما يشبه هذه الرواية:

عن محمد عن أبي جعفر (ع) قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أنا بشر أغضب وأرضى، وأيما مؤمن حرمته وأقصيته او دعوت عليه فاجعله كفّارة وطهورا، وأيما كافر قربته أو حبوته أو أعطيته أو دعوت له ولا يكون لها أهلا فاجعل ذلك عليه عذاباً ووبالا» (بحار الانوار101/290).

وقول النبي «قطع الله يدك» في لحظة غضب منه فهو:

كقول علي للمرأة حين غضب منها « كذبت يا جرية يا بذية يا سلسع يا سلفع يا التي لا تحيض مثل النساء يا التي على شيء من هنها شيء بين مدلى» (بحار الأنوار24/129 و34/256 و40/141 و41/290 و293 و58/131 والاختصاص 302 بصائر الدرجات) وفي رواية «يا سلقلق» ورواية «يا سلسع يا سلفع يا سلقلو» (بصائر الدرجات354و356 و357) وفي رواية «يا التي على هنها شيء بين مدلى» (بصائر358 الدرجات). (وانظر تفسير العياشي2/248 تفسير فرات228و229).

وكسب علي وشتمه للعباس حين وصفه بالغادر الخائن الآثم مع ان العباس من آل عقيل من أهل بيت النبي e.

أخذ الرافضة بدعاء النبي في أول الحديث ولم يبالوا بدعائه في آخر الحديث وذلك لقلة دينهم وتدليسهم ورغبتهم في إيجاد يطعن في عائشة عاملهم الله بعدله لا برحمته.

وقوله e « قطع الله يدك» هو غير مراد منه كقوله لمعاذ « ثكلتك امك».

وأما قوله لعائشة « أجننت» فقد قال ذلك لما رأى من عائشة من الخوف الشديد الذي أصابها ظنا منها أنها تستحق هذا الدعاء عليها. وخوفها من أن يستجيب الله دعوة نبيه حالا بمجرد صدور الدعاء منه.

 وهو دليل على تقواها وورعها ويقينها في استجابة الله لنبيه بخلاف ما يرميها به الرافضة من تآمرها على النبي لقتله.

 وأما قوله « اللهم اني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاة وطهورا» فهذا هو الدعاء المراد منه صلى الله عليه وسلم. ولذلك لما ظنت عائشة أنه تعمد الدعاء عليها أصابها الخوف الشديد فطمأنها بأنه قد اشترط على ربه ما فصلته رواية أم سلمة:

فكيف يستجيب الله ما لا يريده النبي ولا يستجيب ما يريده.

وقوله « فأيما مؤمن أو مؤمنة» فيه إثبات الرسول لإيمان عائشة رضي الله عنها، والرافضة لا يتفقون مع الرسول في إيمانها بل يخالفونه ويزعمون أن الله ضرب المثل لكفرها بامرأة نوح وامرأة لوط.