الردّ العلمي على شبهة حديث «فخلا بها» والطعن الرافضي في صحيح البخاري ومسلم

كثُرت في الآونة الأخيرة الشبهات التي تثيرها الفئة الرافضية الضالّة – الخارجة عن منهج الإسلام الصحيح – للطعن في مصادر السنة النبوية، وعلى رأسها صحيحا الإمامَين البخاري ومسلم، وهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة. ومن أخطر هذه الشبهات ما يُروَّج حول حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة المرأة الأنصارية التي جاءت إلى النبي ﷺ، وفيه قول الراوي: «فخلا بها»، وقوله ﷺ: «والله إنكم لأحب الناس إلي».

وتعتمد هذه الفئة الضالّة في طعنها على بتر النصوص، وتحميل الألفاظ ما لا تحتمل، وإسقاط الفهم الشرعي واللغوي الذي استقرّ عليه أهل العلم، في محاولة يائسة للنيل من مقام النبوة والطعن في عدالة السنة ورواتها. والعجيب أن هؤلاء يغمضون أعينهم عن الروايات الرافضية المليئة بالطعون الصريحة في أعراض آل البيت أنفسهم، ثم يتباكون زورًا على حديث صحيح ثابت لا شبهة فيه عند أهل العلم.

ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة هذه الشبهة، وكشف زيف الاستدلال الرافضي، وشرح الحديث شرحًا علميًا دقيقًا في ضوء كلام الأئمة، مع إظهار التناقض الفاضح في منهج الرافضة، الذين يطعنون في الإسلام من حيث يزعمون الدفاع عنه.

نص الرواية:

«عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاءت أمرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخلا بها فقال والله إنكم لأحب الناس إلي» (متفق عليه).

هذا الحديث من الشبهات التي يحتج بها الرافضة في الطعن على البخاري ومسلم حيث جاء فيه (فخلا بها) و(والله إنكم لأحب الناس إلي).

رواه البخاري5/2006 حديث رقم4936 ومسلم4/1948 حديث رقم2509.

وقبل أن أبين فقه الحديث أذكر الرافضة بهذه الرواية الرافضية:

وقد روى الرافضة عن علي بن أبي طالب إنه لقي سلمان فقال له: « أئت منزل فاطمة بنت رسول الله فإنها إليك مشتاقة تريد أن تتحفك بتحفة قد اتحفت بها من الجنة، قلت لعلي (عليه السلام) قد أتحفت فاطمة (عليها السلام) بشيء من الجنة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم بالأمس.

وفي رواية أن عليا هو الذي قال لسلمان اذهب إلى منزل فاطمة فإنها تريد أن تتحفك بتحفة.

قال سلمان الفارسي: « فهرولت إلى منزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها، فلما نظرت إلي اعتجرت ثم قالت: يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبي (صلى الله عليه وآله) قلت: حبيبتي أأجفاكم؟ قالت: فمه اجلس واعقل ما أقول لك» (بحار الأنوار34/66).

قلت: واعجباه من هذه الرواية الطاعنة بمروءة وشرف علي وفاطمة!!! أيليق بعلي أن يرسل برجل إلى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها بزعم الرواية مشتاقة إليه وتريد أن تهديه هدية؟ ثم بعد هذا تغطي رأسها لتنكشف ساقها؟

ونعود إلى فقه حديثنا:

فقد أدرج المصنف هذا الحديث تحت (‏باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس). أي لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم بل بحيث لا يسمعون كلامهما إذا كان بما يخافت به كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره بين الناس‏.‏

والدليل على ذلك نقل الراوي قول النبي للمرأة.

وأخذ المصنف قوله في الترجمة ‏« عند الناس» من قوله في بعض طرق الحديث ‏«‏ فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك »‏ وهي الطرق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبا‏.‏

قوله « ‏جاءت أمرأه من الأنصار إلى النبي e» زاد في رواية بهز بن أسد «‏ ومعها صبي لها فكلمها رسول الله e‏.

قوله « فخلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في بعض الطرق، قال المهلب‏:‏ « لم يرد أنس إنه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لإنه لم يسمعه» ا هـ‏.‏

ووقع عند مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ‏«‏ أن أمرأة كان في عقلها شيء قالت‏:‏ يا رسول الله أن لي إليك حاجة، فقال‏:‏ يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك». وأخرج أبو داود نحو هذا السياق من طريق حميد عن أنس لكن ليس فيه إنه كان في عقلها شيء‏.‏

قوله ‏« ‏فقال والله إنكم لأحب الناس إلي‏»‏ زاد في رواية بهز ‏«مرتين»‏ وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق وهب بن جرير عن شعبة بلفظ ‏«‏ ثلاث مرات»‏.

وفي الحديث منقبة للأنصار، وقد تقدم في فضائل الأنصار توجيه قوله ‏«‏أنتم أحب الناس إلي‏»‏‏.‏ وقد تقدم فيه حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثل هذا اللفظ أيضًا في حديث آخر.

وفيه سعة حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير.

وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة ‏«‏ وأيكم يملك أربه كما كان صلى الله عليه وسلم يملك أربه‏»‏‏.‏

عرض الشبهة:

تدّعي الفئة الرافضية الضالّة أن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الوارد في الصحيحين، وفيه قول الراوي: «فخلا بها»، يدلّ – بزعمهم – على خلوة محرّمة بين النبي ﷺ وامرأة أجنبية، كما يزعمون أن قوله ﷺ: «والله إنكم لأحب الناس إلي» يحمل معنىً عاطفيًا شخصيًا يُنافي مقام النبوة.

وبناءً على هذا الفهم الفاسد، يطعنون في صحيح البخاري ومسلم، ويتّهمون علماء السنة بالتدليس أو التغاضي عن هذه – بزعمهم – المخالفات الشرعية.

الردّ العلمي على الشبهة:

أولًا: معنى الخلوة في الحديث:

أدرج الإمام البخاري هذا الحديث تحت باب: «باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس»، وهو تبويب فقهي دقيق ينسف الشبهة من أصلها. فالخلوة المذكورة هنا ليست خلوةً محرّمة، وإنما انفراد نسبي بالكلام دون احتجاب عن أعين الناس.

وقد بيّن الإمام المهلب – رحمه الله – أن مراد أنس رضي الله عنه بالخلوة: أن النبي ﷺ كلّم المرأة في مكان لا يسمع فيه الناس حديثهما، لا أنه غاب عنها وعنهم، بدليل أن أنسًا رضي الله عنه سمع آخر كلام النبي ﷺ ونقله، ولو كانت خلوة محرّمة لما سمع شيئًا.

كما جاءت روايات أخرى مفسِّرة للحديث، منها ما رواه مسلم: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، والسكك هي الطرق العامة التي لا تخلو من مرور الناس، مما يؤكد انتفاء الخلوة المحرّمة شرعًا.

ثانيًا: حال المرأة المذكورة في الحديث:

ثبت في صحيح مسلم أن هذه المرأة «كان في عقلها شيء»، أي كانت تعاني من ضعف أو خلل عقلي، وهذا مما يفسّر حاجتها للكلام المنفرد وقضاء حاجتها بعيدًا عن ضجيج الناس، ويُظهر كمال رحمة النبي ﷺ وحلمه وتواضعه.

ثالثًا: معنى قوله ﷺ «إنكم لأحب الناس إلي»:

هذا اللفظ ليس خاصًا بهذه المرأة، ولا يحمل أي دلالة شخصية، بل هو منقبة عظيمة للأنصار عمومًا، وقد ورد هذا المعنى في أحاديث أخرى صحيحة متعددة. والمقصود محبة النبي ﷺ للأنصار لنصرتهم للدين، لا محبة فردية عاطفية كما يحرّف الرافضة المعنى.

إلزام الرافضة برواياتهم:

من أعجب التناقضات أن الرافضة يطعنون في حديث صحيح متفق عليه، بينما يروون في كتبهم – كبحار الأنوار – روايات تطعن صراحة في مروءة علي وفاطمة رضي الله عنهما، كما في قصة سلمان الفارسي التي تصف حالًا لا يقرّه عقل ولا شرع، وفيها كشف عورات، وإرسال رجل أجنبي بدعوى الاشتياق، وهي روايات لو صدرت في كتب أهل السنة لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها.

وهذا يبيّن أن الطعن عند الرافضة ليس غيرةً على الدين، وإنما هو عداءٌ متأصّل للسنة النبوية ومنهج أهل الإسلام الحق.

الخلاصة:

يتبيّن مما سبق أن شبهة «فخلا بها» شبهة باطلة ساقطة علميًا، لا تقوم على فهم لغوي ولا فقهي، وأن الحديث صحيح ثابت لا مطعن فيه، بل هو شاهد على كمال أخلاق النبي ﷺ، وحلمه، وتواضعه، ورحمته بالضعفاء.

كما يظهر بوضوح أن الفئة الرافضية الضالّة – الخارجة عن الإسلام الصحيح – تعتمد الكيل بمكيالين، فتطعن في أصحّ كتب السنة، وتقبل في المقابل روايات فاسدة تطعن في آل البيت أنفسهم، مما يكشف زيف منهجهم وفساد مقصدهم.