تتعمّد بعض الفرق الضالّة – وعلى رأسها الشيعة الإمامية – اختلاق روايات أو اقتطاع أقوال قديمة من كتب أهل السنّة لإثارة الشبهات وإيهام الجهّال بوجود اضطراب أو خلل في ثوابت أهل السنّة والجماعة. ومن أكثر الشبهات التي يروّجونها: الادعاء بأن الإمام أبا حنيفة أجاز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، ويجعلون من هذا القول مدخلًا للطعن في أئمة أهل السنّة، وإظهارهم – زورًا – بأنهم لا يعظّمون القرآن العربي الذي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾.
هذه الشبهة قديمة، وهي من الافتراءات العقدية التي يلوون بها النصوص، متجاهلين أقوال كبار أئمة الحنفية أنفسهم الذين نصّوا بوضوح على رجوع الإمام أبي حنيفة إلى قول صاحبيه، وعلى عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية إلا عند العجز فقط.
الشبهة:
|
يزعم بعض الشيعة أن الإمام أبا حنيفة النعمان كان يجيز قراءة القرآن بلغة فارسية داخل الصلاة، سواء قدر المصلّي على العربية أو لم يقدر. ويوردون نصوصًا مبتورة من كتب المذهب لإثبات هذا الادعاء، ويهملون – عمدًا – النصوص الصريحة التي تثبت رجوع الإمام إلى قول صاحبيه: أبي يوسف ومحمد. |
تحقيق النصوص الحنفية المثبتة لرجوع أبي حنيفة:
1- نصّ صاحب الهداية
قال صاحب الهداية في باب القراءة:
"ويروى رجوعه في أصل المسألة وعليه الاعتماد." (الهداية مع فتح القدير 1/249).
وهذا تصريح من أشهر متون الحنفية بأن المعتمد في المذهب هو الرجوع، وليس القول القديم.
2- نصّ الحصكفي في الدر المختار
قال الشيخ العلاء الحصكفي:
"لأن الأصح رجوعه – أبو حنيفة – إلى قولهما (أبي يوسف ومحمد) وعليه الفتوى."
(الدر المختار 1/484).
إذن فالفتوى المعتمدة في المذهب الحنفي: تحريم قراءة القرآن بغير العربية لمن قدر عليها.
3-نصّ ابن عابدين في حاشيته
قال ابن عابدين رحمه الله:
"قَيَّدَ القراءة بالعجز لأن الأصح رجوعه إلى قولهما وعليه الفتوى." (الدر المختار وحاشية ابن عابدين 1/484).
بل صرّح بأن الخلاف القديم كان خاصًا باللغة الفارسية فقط لأنها أقرب للعربية، ثم قال:
"وأما القراءة بغيرها فلا يجوز بالاتفاق، وقد صح رجوعه إلى قول العامة."
وهذا ينسف الشبهة تمامًا.
4- توثيق علاء الدين البخاري في كشف الأسرار
نقَل البخاري الحنفي توثيقًا مهمًا:
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَرُبَتْ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْفَصَاحَةِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَرَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَعَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 1/25).
وهذا النقل يثبت السند التاريخي للرجوع.
الرد على الشبهة
أولًا: القول المنسوب لأبي حنيفة كان قولًا قديمًا لا يُفتى به
اتفق المحققون من الحنفية على أن هذا القول كان قولًا قديمًا لأبي حنيفة، ثم رجع عنه رجوعًا صريحًا.
ومذهب الحنفية يعمل بالقول الراجح المتأخر للإمام، لا القول الأول.
ثانيًا: الرجوع مرويّ بالأسانيد الحنفية نفسها
جميع من ذكرناهم من أئمة المذهب نصّوا على صحة الرجوع:
◘ صاحب الهداية
◘ الحصكفي
◘ ابن عابدين
◘ علاء الدين البخاري
بل قالوا: عليه الفتوى، وهذا هو التعبير المعتمد عند الحنفية للدلالة على الحكم النهائي الملزم.
ثالثًا: القرآن عربي بنصّ الآيات
◘ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
◘ وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
فالقراءة بغير العربية لمن يقدر عليها محرّمة باتفاق المذاهب الأربعة، ولا يُقبل صرفٌ ولا تأويل في ذلك.
رابعًا: القول القديم مرتبط بمرحلة انتشار الإسلام بين الأعاجم
كان الهدف تسهيل دخول الأعاجم في الإسلام قبل أن تضبط المصاحف وتستقر اللسان العربي بينهم.
خامسًا: الشبهة التي ينشرها الشيعة ساقطة علميًا
لأنها تعتمد على:
◘ القول القديم فقط
◘ تجاهل النصوص الصريحة بالرجوع
◘ إخفاء أن الحنفية متفقون اليوم على المنع
وهذا ضربٌ من التدليس العلمي الذي تشتهر به كتبهم.
المصادر:
◘ الهداية مع فتح القدير 1/249.
◘ الدر المختار 1/484.
◘ حاشية ابن عابدين 1/484.
◘ كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 1/25.