تنتشر بين أوساط الشيعة روايات كثيرة ينسبونها إلى النبي ﷺ وصحابته، يهدفون من خلالها إلى دعم معتقداتهم الباطلة وإحلال مكانة مزعومة لأئمتهم. وأغلب هذه الروايات ليست من الإسلام في شيء، بل هي أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو محرّفة، صنعها غلاة الرافضة عبر القرون، في محاولة لتشويه العقيدة ونسبة ما لا يصح إلى رسول الله ﷺ. ومن أهم تلك الروايات التي استغلّوها رواية «سلمان منا أهل البيت»، حيث رفعوها إلى مقام العصمة، وأضافوا إليها ما ليس منها، بل نسب بعضهم لها زيادات وألفاظًا لا أصل لها. وفي هذا المقال نستعرض الحقيقة العلمية لهذا الأثر، ونبيّن حاله مرفوعًا وموقوفًا، كما بيّنه الإمام المحدّث الألباني رحمه الله.
إن هذا الأثر لا يصح مرفوعا، وإنما صح موقوفا عن علي رضي الله عنه، ولقد بين الإمام الألباني ضعف الأثر مرفوعا، ثم بين صحته موقوفا.
حيث قال: " 3704 - (سلمان منا أهل البيت).
ضعيف جداً
روي من حديث عمرو بن عوف، وأنس بن مالك، والحسين ابن علي بن أبي طالب، وزيد بن أبي أوفى.
1- أما حديث عمرو؛ فيرويه حفيده كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة، عام ذكرت الأحزاب خطة المذابح، فقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: لا؛ بل سلمان منا! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:... فذكره.
أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (4/ 82-83 و 7/ 318-319)، وابن جرير الطبري في "التفسير" (21/ 85)، وأبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين" (ص 25)، والطبراني في "المعجم الكبير" (6/ 260-261)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 54)، ومن طريقه وطريق ابن سعد: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ 409)، والحاكم (3/ 598)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 418) من طرق عن كثير..
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ لأن كثيراً هذا متروك؛ قال الذهبي في "الكاشف":
"واه، قال أبو داود: كذاب".
قلت: وكأنه لذلك سكت عنه الحاكم ولم يصححه كعادته، وأما الذهبي فقال في "تلخيصه": "قلت: سنده ضعيف".
والحق ما ذكرته، وهو الذي يقتضيه قول الذهبي المتقدم، ويؤيده قوله في "سير الأعلام" (1/ 540) بعد أن ساق الحديث: "كثير متروك".
2- وأما حديث أنس؛ فيرويه جعفر بن سليمان الضبعي:
حدثنا النضر بن حميد، عن سعد الإسكاف، عن محمد بن علي، عنه مرفوعاً به.
أخرجه البزار في "مسنده" (3/ 184/ 2524) عنه به، وفيه قصة، وزاد في آخره: "فاتخذه صاحباً". ثم قال: "لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، ولا رواه إلا جعفر عن النضر، والنضر وسعد الإسكاف لم يكونا بالقويين في الحديث".
كذا قال، وحالهما أسوأ مما قال؛ فإن سعداً هذا - وهو ابن طريف -؛ قال الحافظ في "التقريب": "متروك، ورماه ابن حبان بالوضع، وكان رافضياً".
والنضر؛ قال البخاري: "منكر الحديث".
وبه أعله الهيثمي؛ فقال (9/ 118): "رواه البزار، وفيه النضر بن حميد الكندي، وهو متروك".
وقد اضطرب في إسناده هو أو شيخه سعد، فجعل الحسين بن علي مكان أنس، وهو التالي:
3- قال أبو يعلى في "مسنده" (12/ 142/ 6772):
حدثنا الحسن بن عمر ابن شقيق الجرمي: حدثنا جعفر بن سليمان، عن النضر بن حميد الكندي، عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه، عن جده قال:... فذكره بتمامه. وهكذا أخرجه ابن عساكر (7/ 410-411) عنه، ورواه أبو الشيخ أيضاً (24-25) من طريق أبي يعلى، ولكنه لم يسق القصة، ولا الزيادة.
وقال الهيثمي (9/ 117): "رواه أبو يعلى، وفيه النضر بن حميد الكندي، وهو متروك".
قلت: وشيخه مثله كما تقدم بيانه في الذي قبله.
4- وأما حديث زيد بن أبي أوفى:
فيرويه مشرق بن عبد الله في "حديثه" (62/ 2) وابن عساكر (7/ 412) من طريق محمد بن إسماعيل بن مرداتي، عن أبيه إسماعيل: حدثني سعد بن شرحبيل، عنه به في حديث طويل.
قلت: وهذا إسناد مظلم؛ لم أعرف أحداً من رجاله.
وجملة القول؛ أن الحديث ضعيف جداً، وبخاصة الزيادة التي في آخره، فإنها ليست في الحديث الأول مع شدة ضعف إسناده.
نعم؛ قد صح الحديث موقوفاً على علي رضي الله عنه من طرق عنه؛ فها أنا أذكرها إن شاء الله تعالى.
الطريق الأولى: عن أبي البختري قال: قالوا لعلي: أخبرنا عن سلمان، قال أدرك العلم الأول، والعلم الآخر، بحر لا ينزح قعره، هو منا أهل البيت.
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (12/ 148/ 12380)، وابن سعد (2/ 346 و 4/ 85)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 187)، وابن عساكر (7/ 411 و 415).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، واسم أبي البختري سعيد بن فيروز.
الثانية: عن زاذان قال: سئل علي عن سلمان الفارسي؟ فقال: ذاك أمير منا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم؛ علم العلم الأول، وأدرك العلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحراً لا ينزف.
أخرجه ابن سعد (4/ 85-86)، والبغوي كما في "مختصر المعجم" (9/ 134/ 2)، ومن طريقه وطريق غيره: ابن عساكر (7/ 416).
ورجاله ثقات.
الثالثة: عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود عنه.
أخرجه البغوي وابن عساكر، وكذا أبو نعيم مقروناً بالطريق الثانية.
وله عن علي طريق آخر موقوفاً عليه مختصراً في أثناء حديث لعبد الله بن سلام بلفظ: دعوه فإنه رجل منا أهل البيت. وسنده حسن"
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الألباني - ج 8 ص 176 – 180
الشبهة:
يزعم الشيعة أن حديث «سلمان منا أهل البيت» صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ، ويستدلّون به على دمج سلمان في "العترة"، ويؤولونه بما يخدم معتقد "الإمامة" التي يروّجون لها. ويضيف بعضهم زيادات باطلة على الحديث، ويستندون إلى طرق واهية، ويقدّمونه كدليل على أن غير القرشي يمكن أن يدخل في "أهل البيت" بالولاية والولاء، وهو استنتاج باطل يخالف النصوص الصحيحة والمعايير التي اعتمدها أهل السنة والجماعة.
الرد على الشبهة وبيان حقيقة الحديث
بيّن الإمام المحدث الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة (ج8، ص 176–180) أن جميع طرق الحديث مرفوعًا ضعيفة جدًا، وأنها لا تثبت بحال عن النبي ﷺ.
وفي ما يلي أهم ما جاء في كلامه:
أولاً: ضعف الحديث مرفوعًا
1) طريق عمرو بن عوف
◘ علته: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك وكذاب.
◘ قال الذهبي:(واهٍ....كذاب).
2) طريق أنس بن مالك
◘ علته: النضر بن حميد متروك الحديث، وسعد الإسكاف متروك ورمي بالوضع وهو رافضي.
3) طريق الحسين بن علي
◘ اضطراب شديد في الإسناد، ونفس الرواة الضعفاء في الطريق السابق.
4) طريق زيد بن أبي أوفى
◘ إسناد مظلم، لا يعرف رواته.
النتيجة:
قال الألباني: (الحديث ضعيف جداً، وخاصة الزيادة التي ليست في الحديث الأول، فإسنادها ضعيف فوق ضعف الأصل).
ثانياً: صحة الأثر موقوفاً على علي رضي الله عنه
أثبت الألباني صحة الأثر موقوفًا على علي بن أبي طالب من طرق صحيحة:
الطريق الأولى:
أبو البختري عن علي قال:
«أدرك سلمان العلم الأول والآخر… هو منا أهل البيت»
◘ إسناده صحيح على شرط الشيخين.
الطريق الثانية
زاذان قال: سئل علي عن سلمان فقال:
«ذاك أميرٌ منا أهل البيت… وكان بحراً لا يُنزف»
◘ رجاله ثقات.
الطريق الثالثة
عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي.
◘ طريق حسن كما رجّحه الألباني.
الخلاصة:
الأثر لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ، وإنما يصح موقوفاً على علي رضي الله عنه، ولا علاقة له بالمعاني الباطلة التي يستغلّها الشيعة.