سحر النبي ﷺ من بني زريق: توضيح الحقائق وتحليل الشبهات

كتبه خالد الوصابي

كثيرًا ما يروج بعض الفرق الضالة، وعلى رأسها الشيعة، لأحاديث باطلة أو روايات غير صحيحة بهدف التشكيك في نبوّة النبي ﷺ وتشويه صورته أمام الناس. ومن أبرز هذه الشبهات ما يتعلق بسحر النبي ﷺ من قبل يهود بني زريق، حيث يزعم البعض إن هذا التعرض للسحر يقدح في عصمته أو يؤثر على تبليغه للرسالة. في هذا المقال، سنكشف الحقائق ونوضح معنى تعرض النبي ﷺ للسحر، وكيف إن ذلك لم يضر بالوحي أو النبوة، مع الاستناد إلى القرآن الكريم والسنة الصحيحة، مع تفنيد كل الشبهات المتعلقة بذلك.

تنبيه ذوي الفهوم على بيان معنى سحر اليهود للنبي المعصوم:

وردت أحاديث عن السنة والشيعة إن النبي صلى الله عليه وسلم تعرض للسحر من قبل اليهود أو المنافقين من اليهود.

وقد كذب بهذه الأحاديث كثير من الناس إما لأنهم لم يفهموا هذه الأحاديث وظنوها تعارض عصمة الرسول وتقدح في حفظ الله له أو لهوى في النفس.

 وقد أوردوا على هذه الأحاديث عدة إشكالات:

الإشكال الأول: قالوا إن هذه الأحاديث معارضة لعصمة الله لنبيه والله يقول والله يعصمك من الناس فإذا كان يتعرض للسحر فليس بمعصوم.

الجواب على هذا الإشكال من وجوه:

الوجه الأول: العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم نوعان عصمة من الناس وعصمة من إن يرتكب هو الذنوب

وكلامنا هنا عن ليس عن عصمة إرتكاب الذنوب وإنما عن العصمة الثانية وهي العصمة من الناس وهذه العصمة ليست حاصلة لكل الأنبياء وإنما علمناها في حق رسولنا ولم نعلمها في حق كل الأنبياء بل من الأنبياء من لم يعصمهم من الناس فقتلوهم.

الوجه الثاني: العصمة الحاصلة لرسول الله من الناس هل هي العصمة من القتل والأذى الذي هو دون القتل أم العصمة من القتل فقط والأذى الذي دون القتل ليس معصوما منه هذا الذي يظهر بدليل إن النبي قد كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد.

الوجه الثالث: كونه جاء التعبير في بعض الروايات أنه يخيل إليه أنه يفعل ((الشيء)) ولا يفعله

فهم منها بعضهم العموم وهذا غلط وإنما المعنى أنه ربط عن زوجته عائشة وليس كل الزوجات بقية الزوجات لم يربط عنهن كان يجامعهن طبيعي وعائشة كان مربوطا عنها فكان إذا كان بعيدا عنها يحس ويتخيل إلى رسول الله أنه سيستطيع الجماع فإذا اقترب من زوجته لا يستطيع إتيانها فعبر عن الجماع بــ((الشيء)) ففهم منه بعضهم عموم الأشياء وهذا غلط وإنما من أدب الرواة عبروا عن الجماع ((بالشئ))

الوجه الرابع: كون النبي يخيل إليه أنه يستطيع الجماع ولا يستطيعه بمعنى الظن التخيل هنا بمعتى الظن لا يؤثر على نبوته مثل إن موسى تخيل العصي والحبال أنها تسعى ولم يؤثر في نبوته فكذلك هذا...

عن عائشة رضي الله عنها قالت:

 «سحر رسولَ الله رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: يا عائشة أشعرت إن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ فقال: قد عافاني الله، فكرهت إن أثوِّر على الناس فيه شراً، فأمر بها فدفنت»

(رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري).

وفي رواية للبخاري عن عائشة:

«كان رسول الله سُحِر، حتى كان يُرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال: سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا وفي رواية قالت: مكث النبي كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي».

الجواب:

 إن تأثر محمد بالسحر لم يؤثر على الوحي وإنما كان له تأثير على الجانب البشري كما حدث لموسى عليه السلام كما قال تعالى ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (طه: 66).

وكما قال أيوب عليه السلام ﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب.

فالقرآن أثبت تأثر موسى بالسحر، وتضرر أيوب بمس الشيطان وعذابه. ولو كان في هذا مساسا بجناب النبوة أو تأثيرا على وحي الله لما أذن له بهذا التأثر إن يقع. فمن استنكر رواية سحر اليهودي للنبي محمد في السنة فلينكر سحر السحرة لموسى في القرآن. ومن استنكر ما في القرآن فليذهب وليبحث عن كتاب آخر غير القرآن يتوافق مع مذهبه وأهوائه. فما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من سحر، هو مرض من الأمراض، وهذه تجوز على الأنبياء كغيرهم من البشر، وهي مما لا يُنكر ولا يَقدحُ في النبوة، ولا يُخِلُّ بالرسالة أو الوحي، والله سبحانه إنما عصم نبيه صلى الله عليه وسلم مما يحول بينه وبين الرسالة وتبليغها، وعصمه من القتل، دون العوارض التي تعرض للبدن.

وأما قوله تعالى ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا فيقصدون به إن الشياطين تملي عليه وتكتب له كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (الفرقان: 5).

فهو حكاية عن وصف الكفار لأنبيائهم. بأن أصل ومصدر دعوتهم وما يتلقونه من وحي إنما هو من اكتتاب الجن لهم. أو إن المراد به من سُحر حتى جُنَّ وصار كالمجنون الذي زال عقله؛ إذ المسحور الذي لا يُتبع هو من فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون.

وإن كان المعترض نصرانيا قيل له: أنتم تعتقدون إن الشيطان أخذ المسيح – وهو عندكم إله البشر- وعرض عليه إن يمنحه قطعة من الأرض إن هو سجد له.

هكذا ورد النص به:

«ثم أخذه ابليس إلى جبل عال جداً، وأراه جميع ممالك العالم وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي» (متى3:4). فهل من العقل إن يفعل المخلوق مثل هذا بخالقه؟

أين نزلت المعوذتين؟

هما مدنيتان والدليل حديث السحر.

هل خرب على عقله السحر؟

الجواب لا، قال تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ.

هل الأنبياء معصومون من السحر جملة وتفصيلا؟

قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)

بماذا سحر النبي في التبليغ والتشريع ام ماذا؟

لو شخص يشتغل محاسب وسحر في الجماع هل يؤثر على شغله المحاسب؟

لو قال قائل إن سحر التخييل الذي حدث مع موسى عليه السلام هو خفة يد أو بسبب الزئبق أو شي؟

الجواب:

فمن ماذا تابو السحرة؟ قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70).

ثم إن الله عز وجل قال: يخيل اليه من سحرهم. لم يقل من خفة اليد أو غيرها...

الشبهة:

يزعم البعض أن النبي ﷺ تعرض للسحر من قبل يهود بني زريق، وأن هذا السحر أثر على نبوته أو تبليغه للرسالة، مما يثير الشكوك حول عصمته.

الرد عليها:

السحر الذي تعرض له النبي ﷺ لم يؤثر على الوحي أو تبليغ الرسالة، وإنما كان له أثر على الجانب البشري فقط، كما حدث لموسى عليه السلام وأيوب عليه السلام، وقد ذكر القرآن الكريم هذا التأثر (طه: 66-68).

العصمة المطلقة للنبي ﷺ تعني حفظه من الوقوع في الخطأ في تبليغ الرسالة ومن القتل، وليس من كل الأمراض أو التأثر الطبيعي بالعوامل البشرية، وهذا ما يوافق العقل والشرع.

قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يوضح أن النبي ﷺ لم يُخرب عقله ولا أثر ذلك على نبوته.

من ينكر حادثة سحر النبي ﷺ فعليه إنكار تأثير السحر على موسى عليه السلام في القرآن، وهو ما لا يجوز، فالتأثر بالجانب البشري أمر جائز ولا يقدح في الرسالة.

الروايات التي ذكرت أن النبي ﷺ كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، تشير إلى تأثير السحر على الجانب البشري، وليس على جانب الرسالة أو الوحي.