يرحمه الله أذكرني آية كنت أنسيتها:

تتزايد في عصرنا محاولات الطعن في سنّة النبي ﷺ من خلال روايات موضوعة ينشرها الشيعة الإمامية (الرافضة)، وهي فرقة ضالّة خرجت عن جماعة المسلمين وابتدعَت عقائد تُخالف نصوص القرآن والسنة المتواترة. ومن أخطر وسائلهم في تضليل الناس وضعُ أحاديث باطلة تخدم غاياتهم العقدية، ومحاولة التشكيك في مقام النبوّة والعصمة في تبليغ الوحي. وتأتي رواياتهم حول نسيان النبي ﷺ أو سهوه في أمور التشريع كأداة للطعن في السنة من جهة، وتثبيت عقيدتهم في الأئمة المعصومين من جهة أخرى.

هذا المقال يقدّم تحقيقاً علمياً موثقاً يكشف حقيقة هذه الروايات الموضوعة، مع بيان المفهوم الصحيح لنسيان النبي ﷺ في ضوء القرآن والسنّة، والردّ على شبهات الرافضة بأسلوب واضح ومفصل ومتوافق مع قواعد السيو.

عن عائشة رضي الله عنها قالت:

«سَمِع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه الله لقد أذْكَرني كذا وكذا آية مِن سورة كذا. وفي رواية: يرحمه الله! لقد أذْكَرني كذا وكذا آية كُنت أُنْسِيتها مِن سُورة كذا وكذا» (رواه البخاري3/270).

الجواب:

أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم من طبيعته البشرية. واما نسيانه شيئا من الوحي فهو معصوم من ذلك ويمتنع إلا فيما شاء الله له أن ينسى مما له فيه حكمة سبحانه. من نسخ أو تعليم للأمة ما يطرأ عند النسيان من أحكام للسجود.

قال تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلا ما شاء الله. فالنسيان مراد من الله عز وجل. ولا عبرة في قول الرافضي: كيف نأتمن على وحي الله من رسول ينسى؟

والجواب: أننا قد أمنا على تبليغه للقرآن وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب وقد أذهل فصحاء العرب. فكيف لا نأمن على القرآن من مجرد النسيان والأمية أعظم شأنا القرآن؟!

وسبحان الله كيف ينصرف الرافضة عن قوله تعالى ﴿ وإنا له لحافظون. فإن الله لم يحفظ قرآنه بمجرد ذاكرة النبي وإنما بإعجازه وقدرته سبحانه.

أن رسول الله صلى وهو جنب ناسيا:

عن أبى هريرة قال «أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله e فلما قام فى مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا: مكانكم. ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه»

في الحديث فوائد منها جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. والدليل عليه من القرآن قوله تعالى e ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله.

وعند الشيعة ما يؤيد ذلك مما يجهله من يستنكرون رواية أبي هريرة لجهلهم بأصول ومصادر دينهم. فعن أبي عبد الله قال « صلي (علي) عليه السلام بالناس على غير طهر وكانت الظهر ثم دخل، فخرج مناديه أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى على غير طهر فأعيدوا وليبلغ الشاهد الغائب» (تهذيب الأحكام3/39 الاستبصار1/433 بحار الأنوار88/67).

وأثبتوا النسيان والسهو لرسول الله e.

فقد جاء في فقه الرضا:

 « أن رسول الله e صلى يوما الظهر فسلم في ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله أمِرتَ بتقصير الصلاة أم نسيتَ ؟ فقال رسول الله e للقوم: أصدق أبو اليزيد؟ فقالوا نعم يا رسول الله لم تصلّ إلا ركعتين. فصلى إليهما ركعتين ثم سلم وسجد سجدتي سهو» (مستدرك الوسائل6/403 ح رقم 7086 و7087 و7088).

نص الشبهة:

يزعم الرافضة أن النبي ﷺ كان ينسى القرآن، ويستدلون بحديث عائشة رضي الله عنها: "يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها"، ويقولون:

كيف نأتمن على الوحي رسولاً ينسى؟

كما يحتجون بحديث سجود السهو، وحديث صلاته ﷺ وهو جُنُب ناسياً، ويعتبرون ذلك طعناً في عصمة النبي ﷺ.

الرد العلمي المفصل:

1- النسيان البشري لا يقدح في العصمة في تبليغ الوحي:

النسيان في الأمور البشرية والأفعال اليومية طبيعة إنسانية، وقد وقعت من النبي ﷺ لحكمة تشريعية أرادها الله، مثل تشريع سجود السهو.

أما النسيان في تبليغ الوحي فلا يقع إلا لما شاءه الله لحكمة، كما قال تعالى:

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ

أي: ما شاء الله رفعه ونسخه، لا ما كان من القرآن المتعبَّد بتلاوته.

2- القرآن محفوظ بحفظ الله لا بمجرد ذاكرة النبي

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فالله حفظ القرآن بإعجازه وتيسيره وكتابته وعرضه، وليس بالاعتماد على ذاكرة بشرية فقط.

3- النبي ﷺ أميّ ومع ذلك بلّغ القرآن بأعلى درجات الفصاحة

فإن كان الرافضي لا يأتمن النبي على مجرد النسيان، فكيف أُمن على تبليغ القرآن وهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب ومع ذلك جاءهم بكلام أعجز فصحاء العرب؟!

4- تناقض الرافضة:

يطعنون في أهل السنة بينما كتبهم تثبت السهو للنبي ولعلي في كتبهم:

جاء في تهذيب الأحكام و الاستبصار و بحار الأنوار: أن علياً رضي الله عنه صلى بالناس وهو غير متوضئ ناسياً.

وجاء في فقه الرضا أن النبي ﷺ صلى ركعتين فقط فسجد السهو وأتمّ الصلاة.

فإذا كان السهو طعناً في العصمة، فلماذا قبلوه لعلي؟ ولماذا نسبوه للنبي في كتبهم؟!

وإذا كان السهو ينفي الإمامة، فسقطت إمامة علي عندهم!

وهذا من أعظم التناقضات في دينهم.

5- النسيان المذكور في حديث عائشة هو نسيان تذكير:

 وليس نسيان ضياع النبي ﷺ كان قد حفظ الآية، لكنه نسيها في لحظة، فلما سمع الرجل قرأها تذكّرها، ولذلك قال: "أذكرني" ولم يقل "علّمني" أو "أفادني".

وهذا كمن يتذكر اسماً نسيه لحظة ثم يعود له، ولا يُقال: نسي العلم كله.