في السنوات الأخيرة زادت محاولات الطعن في سلامة القرآن الكريم من خلال روايات موضوعة أو محرفة، تأتي غالبًا من كتب الشيعة الإمامية الذين يشتهرون بنسج روايات باطلة تخدم أيديولوجيتهم، لا سيما تلك التي تتعرض لكتاب الله أو لصحابة النبي ﷺ. فالشيعة - باعتبارهم فرقة ضالة خرجت عن الإسلام الصحيح – يعتمدون على نصوص لا أصل لها، وينسبونها إلى أهل البيت زورًا وبهتانًا، ليبنوا عليها شبهاتهم الوهمية. ومن أبرز ما يروجون له: روايات تتهم الصحابة بالتحريف أو إثبات اللحن في المصحف الشريف الذي جمعه الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه. وهذه الدعوى الخطيرة تحتاج إلى رد علمي راسخ يكشف زيف الروايات ويثبت سلامة القرآن المحفوظ بحفظ الله، ويبين للقارئ الكريم كيف تُختلق الشبهات، وكيف يفضحها التحقيق العلمي بالأسانيد والمصادر الموثوقة.

قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام:

" حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: لَمَّا كُتِبَتِ الْمَصَاحِفُ عُرِضَتْ عَلَى عُثْمَانَ، فَوَجَدَ فِيهَا حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ، فَقَالَ: " لَا تُغَيِّرُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ سَتُغَيِّرُهَا، أَوْ قَالَ: سَتُعَرِّبُهَا بِأَلْسِنَتِهَا، لَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمُمَلِّي مِنْ هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ»

فضائل القران – القاسم بن سلام – ص 287

وورد معنى هذا الاثر عند ابن ابي داود في المصاحف وغيره بعدة اسانيد لا تقوم بها حجة.

قال العلامة الألوسي:

" وقال العلاء فيما أخرجه ابن الأنباري وغيره عن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفاً من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستقرؤها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف إن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع "

تفسير الالوسي – ابو الثناء محمود بن عبد الله الحسينى الالوسى – ج 12 ص 205

وقال أيضًا: " وأما ما روي أنه لما فرغ من المصحف أتى به إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا، فقد قال السخاوي: إنه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلاً إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم كيف يقيمه غيرهم؟!"

تفسير الألوسي – ابو الثناء محمود بن عبد الله الحسينى الألوسي – ج 4 ص 309

الشبهة والرد العلمي المفصل:

أولاً: نص الشبهة:

يستدل الشيعة برواية وردت في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، وفي المصاحف لابن أبي داود، مفادها أن عثمان رضي الله عنه وجد في المصحف “حروفًا من اللحن”، وقال:

«لا تغيّروها، فإن العرب ستغيّرها بألسنتها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف».

ويحاولون الاستدلال بها على أن المصحف العثماني فيه أخطاء لغوية، وأن الصحابة تركوها عمدًا!

 

الرد العلمي على الشبهة:

1-الرواية ضعيفة جدًّا ولا تثبت عن عثمان

هذه الرواية ساقطة السند، بل إن طرقها مضطربة ومنقطعة كما قال الأئمة:

قال العلامة الآلوسي: «إن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع».

وقال أيضًا: «السخاوي حكم عليه بالضعف، وفيه اضطراب وانقطاع».

ولو كانت صحيحة لنقلتها الأمة جيلًا بعد جيل، ولم تكن محصورة في أسانيد متهالكة.

2- عقلاً: كيف يرى عثمان “لحنًا” ويتركه؟

هذا ممتنع عقلاً وشرعًا، لأن:

عثمان رضي الله عنه جمع المصحف وجعله إمامًا للأمة.

حضر الجمع نخبة من الصحابة الحفاظ مثل زيد بن ثابت.

المصاحف نُسخت ووزعت على الأمصار، ولا يمكن ترك خطأ متعمد فيها.

لو وقع شيء من اللحن لأصلحه الصحابة فورًا، فهم أفصح أهل زمانهم.

3- إجماع الأمة على سلامة المصحف العثماني

لم يختلف علماء القراءات واللغة في أن المصحف:

خالٍ من اللحن.

متواتر بلا زيادة ولا نقصان.

الرسم العثماني توقيفي وافق وجوه القراءات المتواترة.

4-سبب اختلاق الرواية عند الشيعة

الشيعة يطعنون في جمع القرآن؛ لأنه تم في زمن الخلفاء الراشدين الذين يكفرونهم، فيضطرون لاختلاق روايات مثل: التحريف - سقوط آيات - وجود أخطاء لغوية.

ولهذا ينقلون الرواية الضعيفة ويضخمونها، متجاهلين:

الإجماع الإسلامي على حفظ القرآن.

التواتر القطعي.

شهادة أئمة أهل البيت على صحة المصحف.

5- كيف نشأت الرواية؟

بعض طرق الرواية تعود إلى عكرمة بغير سند صحيح، وأسانيدها تعاني من:

الانقطاع - الاضطراب - جهالة بعض رواتها - الاختلاف في ألفاظها.

ولهذا قال العلماء: لا تقوم بها حجة.