تداول بعض المستشرقين والملحدين، وتبعهم الرافضة، رواية زُعِم فيها أنّ النبي ﷺ همَّ بأن يُلقي بنفسه من الجبال أثناء فترة انقطاع الوحي، وجعلوا هذا دليلًا – والعياذ بالله – على اضطراب حاله وزعزعة يقينه. واستندوا إلى زيادةٍ وردت في آخر حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري في بدء الوحي.
غير أنّ التحقيق العلمي يُثبت بوضوح أن هذه الزيادة غير ثابتة، وهي من بلاغات الزهري التي لا يحتج بها، وأنها رواية شاذة مرسلة معلولة، وأن أهل العلم – من ابن حجر إلى الألباني – نصّوا على تضعيفها وبيان عللها.
تثار بين الحين والآخر شبهة خطيرة تتعلق ببداية نزول الوحي، يروّج لها أتباع الفرقة الضالّة الإمامية وغيرهم من المتشككين، مفادها أنّ رسول الله ﷺ – والعياذ بالله – حاول الانتحار من شواهق الجبال خلال فترة انقطاع الوحي. وتستند هذه الشبهة إلى روايات موهومة وبلاغات مرسلة لا تصح سندًا ولا متنًا، بل تخالف صريح العصمة النبوية. ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة هذه الدعوى، وشرح الأسانيد الواردة فيها، وكشف عللها، وبيان أقوال كبار النقاد من المحدّثين كابن حجر والألباني وغيرهما، مع عرض نماذج من الروايات الضعيفة التي اعتمد عليها أصحاب هذه الشبهة، سواء في كتب السير أو في روايات الفرقة الضالّة. كما نبيّن لماذا لا يمكن قبول هذا الخبر من الناحية الشرعية، والعلمية، والعقدية، وكيف اتفق العلماء على بطلانه رغم وجوده في صحيح البخاري بلفظ "بلاغ"، وهو ما لا يجعله صحيحًا على شرط البخاري.
هذه الدراسة تُقدّم للقارئ خلاصة محقّقة حول هذه الشبهة، وتفنّد جذورها، وتثبت بالدليل أن النبي ﷺ لم يُقدم قط على شيء يخالف العصمة التي أكرمه الله بها، وأن القصة لا أصل لها من طريق صحيح.
قال الإمام البخاري:
" 6982 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ،.........................
وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،( فِيمَا بَلَغَنَا)، حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ... "
صحيح البخاري - بَابُ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ – ج 9 ص 29 – 30
قال الحافظ ابن حجر:
" ثُمَّ أن الْقَائِلَ فِيمَا بَلَغَنَا هُوَ الزُّهْرِيُّ وَمَعْنَى الْكَلَامِ أن فِي جُمْلَةِ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِه الْقِصَّة وَهُوَ مِنْ بَلَاغَاتِ الزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مَوْصُولًا "
فتح الباري – احمد بن علي بن حجر – ج 12 ص 359
وقال الإمام الألباني في رده على الدكتور البوطي:
" قال (1 / 55): (وجزع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك جزعا عظيما حتى أنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال)
قلت: هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في أخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور (1 / 51 - 53) وهو عند البخاري في أول (التعبير) (12 / 297 - 304 فتح) من طريق معمر: قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة... فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: (حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك)
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (6 / 232 - 233) وأبو نعيم في (الدلائل) (ص 68 - 69) والبيهقي في (الدلائل) (1 / 393 - 395) من طريق عبد الرزاق عن معمر به
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (1 / 98) لكنه لم يسق لفظه وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب وليس فيه الزيادة وكذلك أخرجه مسلم وأحمد (6 / 223) من طريق عقيل بن خالد: قال ابن شهاب به دون الزيادة وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به
قلت: ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة
الأخرى: أنها مرسلة معضلة فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في (الفتح) (12 / 302) وقال: (وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا)
قلت: وهذا مما غفل عنه الدكتور أو جهله فظن أن كل حرف في (صحيح البخاري) هو على شرطه في الصحة ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في أخره هذه الزيادة المرسلة
واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها كما بينته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) برقم (4858) وأشرت إلى ذلك في التعليق على (مختصري لصحيح البخاري) "
دفاع عن الحديث النبوي – محمد ناصر الدين الألباني – ص 40 – 41
وقد جاء هذا الأثر عند الإمام ابن سعد في الطبقات بإسناد ضعيف جدا.
قال ابن سعد:
" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبي مُوسَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أبي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِحِرَاءٍ مَكَثَ أَيَّامًا لا يَرَى جِبْرِيلَ. فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يَغْدُو إِلَى ثَبِيرٍ مَرَّةً وَإِلَى حِرَاءٍ مَرَّةً يُرِيدُ أن يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ عَامِدًا لِبَعْضِ تِلْكَ الْجِبَالِ إِلَى أن سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَعِقًا لِلصَّوْتِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مُتَرَبِّعًا عَلَيْهِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَرَبَطَ جَأْشَهُ. ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ بَعْدُ وَحَمِيَ "
الطبقات الكبرى – محمد بن سعد بن منيع – ج 1 ص 154
أن علة هذا الأثر محمد بن عمر الواقدي الكذاب.
قال الإمام الألباني بعد أن ذكر هذا الأثر:
" قلت: وهذا سند واه جدا، محمد بن عمر هو الواقدي وهو متهم بالكذب على علمه بالمغازي والسير، وشيخه إبراهيم بن محمد بن أبي موسى لم أعرفه، ولكني أظن أن جده أبي موسى محرف من أبي يحيى، فإن كان كذلك فهو معروف ولكن بالكذب، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني، كذبه جماعة.
و يرجح أنه هو؛ كونه من هذه الطبقة وكون الواقدي الراوي عنه أسلميا مدنيا
أيضا، وقد قال النسائي في أخر كتابه " الضعفاء والمتروكون " ( ص 57 ):
" والكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة:
1 - ابن أبي يحيى بالمدينة.
2 - والواقدي ببغداد.
3 - ومقاتل بن سليمان بخراسان.
4 - ومحمد بن سعيد بالشام، يعرف بالمصلوب.
فهذا الإسناد من أسقط إسناد في الدنيا... "
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الألباني – ج 3 ص 161
وقال معلقا على هذا الأثر:
" وخلاصة القول أن هذا الحديث ضعيف لا يصح لا عن ابن عباس ولا عن عائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي " مختصر صحيح البخاري " (1/5) على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغتر أحد من القراء بصحته لكونه في " الصحيح ". والله الموفق " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الألباني – ج 3 ص 163
وورد أثر أخر عند الإمام الطبري في تاريخه، ولكن بسند ضعيف لا يُفرح به كما قال الإمام الألباني في الضعيفة، وكذلك متنه مخالف لما جاء في روايات الثقات، قال الإمام الألباني: " ومن ذلك: ما أخرجه ابن جرير أيضاً (2/ 300-301) قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد! كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام؟
قلت... فذكر الحديث، وفيه - بعد الأمر المشار إليه -:
قال: "فقرأته. قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني، وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاباً. [قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما! قال: قلت: أن الأبعد - يعني: نفسه - لشاعر أو مجنون؟! لا تحدث بها عني قريش أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها فلأستريحن]. قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط الجبل؛ سمعت صوتاً من السماء... " الحديث.
ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات؛ وفيه علل:
الأولى: الإرسال؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابياً، وإنما هو من كبار التابعين، ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثانية: سلمة - وهو ابن الفضل الأبرش -؛ قال الحافظ:
"صدوق كثير الخطأ".
قلت: ومع ذلك؛ فقد خالفه زياد بن عبد الله البكائي؛ وهو راوي كتاب "السيرة" عن ابن إسحاق، ومن طريقه رواه ابن هشام، وقال فيه الحافظ:
"صدوق ثبت في المغازي".
وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في "السيرة" (1/ 252-253) عنه عن ابن إسحاق به؛ دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين []، وفيها قصة الهم المنكرة.
فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي، فتكون منكرة من جهة أخرى؛ وهي مخالفته للبكائي؛ فإنه دونه في ابن إسحاق؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم فيهما.
ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب؛ لنكارة معناها، ومنافاتها لعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئاً من ذلك، فقال (1/ 4):
".. وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب؛ مما ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ذكر... وأشياء بعضها يشنع الحديث به... ".
وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية؛ وهي:
الثالثة: ابن حميد - واسمه محمد الرازي -؛ وهو ضعيف جداً، كذبه جماعة من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازي.
وجملة القول؛ أن الحديث ضعيف إسناداً، منكر متناً، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهم بقتل نفسه... "
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الألباني – ج 10 ص 455 - 456
فهذا الأثر من بلاغات الزهري وبلاغاته غير مأخوذ بها، قال الإمام ابن رجب: " وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما يقدر أن يسمى سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه.
وقال يحيى بن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء.
وقال الشافعي: إرسال الزهري - عندنا - ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم.
وقد روي أيضا تضعيف مراسيل الزهري عن يحيى بن سعيد، وأن أحمد بن صالح المصري أنكر ذلك عليه. لكن من وجه لا يثبت "
شرح علل الترمذي - زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن الحنبلي – ج 1 ص 535
وأما في كتب الرافضة، فقد قال ابن شهر اشوب:
" علي بن إبراهيم بن هاشم القمي في كتابه: أن النبي صلى الله عليه وآله لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك، فلما طال عليه الأمر كان يوما بين الجبال يرعى غنما لأبي طالب، فنظر إلى شخص يقول: يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا فأخبر النبي خديجة بذلك فقالت: يا محمد أرجو أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء وعلمه الوضوء والركوع والسجود، فلما تم له أربعون سنة علمه حدود الصلاة ولم ينزل عليه أوقاتها فكان يصلي ركعتين ركعتين في كل وقت أبو ميسرة وبريدة: أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا انطلق بارزا سمع صوتا: يا محمد، فيأتي خديجة فيقول: يا خديجة قد خشيت أن يكون خالط عقلي شئ اني إذا خلوت أسمع صوتا وأرى نورا "
مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 1 ص 41
لماذا انكر النبي صلى الله عليه واله وسلم الصوت؟
ولماذا خشي أن يكون قد خالط عقله شيء؟
وارجو مراجعة اول الكتاب وما نقلته عن ابن شهراشوب في مقدمة كتابه وحكم الروايات الواردة في كتابه.
وقال الراوندي:
" 282 - وعن ابن بابويه، حدثنا أبي، حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد الله قال: دعا زكريا ربه، فقال {هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} فبشره الله تعالى بيحيى، فلم يعلم أن ذلك الكلام من عند الله تعالى جل ذكره وخاف أن يكون من الشيطان، فقال: إني يكون لي ولد وقال:{ رب اجعل لي آية} فأسكت فعلم أنه من الله تعالى "
قصص الأنبياء - الراوندي - ص 218
لماذا خاف زكريا أن تكون البشارة من الشيطان؟
هل يحتاج النبي من الانبياء الى اية معينة لكي يميز الكلام أن كان من عند الله أو من عند الشيطان؟
ومن قال من الإمامية أن السند فيه ضعف على اعتبار قول ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله، فأقول أن مراسيل ابن أبي عمير عند بعض علماء الإمامية معتبرة، قال النراقي: " وواحدة من مراسيل ابن أبي عمير المجمع على تصحيح ما يصح عنه، والمحكوم بكون مراسيله في حكم المسانيد " مستند الشيعة –النراقي – ج 9 ص 159
في تفسير القمي:
" وقوله {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} فإنه حدثني أبي عن محمد بن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال وكلهم الله إلى أنفسهم فظنوا أن الشياطين قد تمثلت لهم في صورة الملائكة"
تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 1 ص 358
هل حدث في عقول الانبياء شيء فظنوا أن الشياطين ملائكة؟
فخلاصة الأمر أن روايات محاولة النبي صلى الله عليه واله وسلم الانتحار لا تصح عند اهل السنة كما بينت، وأما روايات الرافضة التي ذكرتها في خوف النبي صلى الله عليه واله وسلم على عقله، وظن زكريا عليه السلام أن الذي يكلمه شيطان، وظن الانبياء أن الشياطين ملائكة، فإنها معتبرة عندهم، فهل من اجابة على هذه الروايات، ام أن مصيرها سوف يكون عرض الجدار!
إذا قال قائل: أن الذي الزهري يعتقد بهذه الرواية؟
الجواب: راجع علوم الحديث لابن الصلاح الفائدة رقم ثلاثة واربعة بقسم الصحيح والفائدة السابعة بالحسن.
إذا قال قائل: كثرة روايات الزهري عن المجاهيل تسقط وثاقته؟
الجواب: لا تسقط وثاقته انما إذا أكثر بالرواية في المنكرات والشواذ يكون خطر لان الشاذ والمنكر سنده ثقات، فتكون المشكلة بالمتن إذا أكثر بالمنكر والشاذ بالمتن. أما السند فلا يكون مطعن به.
إذا قال قائل: كيف تنقلون هذه الرواية وهي فيها قدح بالرسول صلى الله عليه وسلم أليست هذه أعظم من الشاذ والمنكر؟
الجواب: ناقل الكفر ليس بكافر. وان قال لا اكفره انما أسقط عدالته، فنقول: إذا ثبت أن هذه قدح بالرسول صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أنك تكفره.
إذا قال قائل: هل يعلم الزهري بانه قدح بالرسول صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: سواء علم أو لم يعلم وحتى أن قلنا انه يعلم فناقل الكفر ليس بكافر.
الشبهة والرد عليها
الشبهة:
يزعم البعض أن النبي ﷺ حاول الانتحار بإلقاء نفسه من الجبال خلال فترة انقطاع الوحي، استنادًا إلى ما نُقل في صحيح البخاري بصيغة "فيمَا بَلَغَنَا"، وما ورد في بعض كتب السير والتاريخ.
الرد المختصر الصحيح:
◘ الرواية ليست من كلام عائشة رضي الله عنها، بل هي من بلاغات الزهري، والبلاغ ليس حديثًا موصولًا ولا يصح الاحتجاج به.
◘ معمر هو وحده الذي رواها بهذه الزيادة، وخالفه الثقات كيونس وعقيل فهي شاذة.
◘ قال ابن حجر: "وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا".
◘ قال الألباني: "هذه الزيادة لا تصح، وهي مرسلة معضلة، ليست على شرط البخاري".
◘ روايات ابن سعد والطبري في هذا الباب واهية جدًا، وفيها كذّابون مثل الواقدي وغيره.
◘ القصة تخالف العصمة النبوية، وتناقض الروايات الصحيحة التي تثبت ثبات النبي ﷺ وقت نزول الوحي.
إذن فالقصة باطلة لا تثبت، ولم يحاول النبي ﷺ الانتحار قط.