دراسة الحديث وكشف التناقضات

يُعدّ حديث: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا» من النصوص التي كثر الجدل حولها بين أهل العلم، لما تضمنه من دعوى عظيمة تتعلق بأفضل الخلق ﷺ، وما ترتب عليه من نقاشات حديثية وعقدية شديدة الحساسية. وقد ورد الحديث في بعض كتب السنة، إلا أنّ العلماء تباينت مواقفهم بين مضعّف ومسقط له، وبين من نقل وجود أقوال تدّعي صحته، مع أنّ أئمة النقد كابن الجوزي والهيثمي وابن كثير وغيرهم قد بينوا علله وأوضحوا ما فيه من رواة متهمين أو مجهولين.

وتزداد أهمية دراسة هذا الحديث لكونه استُعمل من قِبل بعض الفرق الضالة -وخاصة الرافضة والصوفية المنحرفة- في بناء دعاوى عقدية تتعلق بالعصمة والطهارة الفطرية المزعومة. لذلك يأتي هذا المقال ليقدّم دراسة نقدية دقيقة للحديث، ويكشف علله، ويوضح حقيقة الخلاف، ويرد على الشبهات المنسوجة حوله، مع مقارنة الروايات الصحيحة الثابتة كنص اختتان إبراهيم عليه السلام.

«حدثنا محمد بن أحمد بن الفرج الأبلي المؤدب قال نا سفيان بن محمد الفزاري المصيصي قال ثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوءتي».

رواه الطبراني في (المعجم الأوسط6/188 والصغير2/145) وقال «لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا هشيم تفرد به سفيان بن محمد الفزاري محمد بن ماهان الأبلي».

وقد اختلف في تصحيحه وتضعيفه حتى قال ابن الجوزي بضعفه (العلل المتناهية 1/166) وقال ابن كثير في البداية »ادعى بعضهم صحته«.

قال الهيثمي:

«فيه سفيان بن الفزاري وهو متهم به» (مجمع الزوائد8/224) أي بوضعه. وقال الطبراني «تفرد به سفيان» (المعجم الأوسط6/188). وقال الضياء في المختارة «سفيان متكلم فيه» (الأحاديث المختارة5/233) ولم أر تحسينه أو تصحيحه للحديث كما قال السيوطي والحافظ العسقلاني (التيسير بشرح الجامع الصغير للسيوطي2/383 لسان الميزان6/174).

نقل السيوطي قول الحاكم:

 «تواترت الأخبار بولادته مختونا» (التيسير بشرح الجامع الصغير للسيوطي2/383).

ونقل المناوي عن الذهبي قوله:

 «لا أعلم صحة ذلك فضلا عن تواتره. وقال الزين يعني الحافظ العراقي عن ابن العديم «أخبار ولادته مختونا ضعيفة لم يثبت فيه شيء» (فيض القدير6/15-16).

وصرح الحافظ ابن عساكر بأن «في إسناده بعض من يجهل حاله وقد سرقه ابن الجارود وهو كذاب فرواه عن الحسن بن عرفة» (تاريخ دمشق3/414).

وهذا الحديث يناقض مبدأ عصمة الأنبياء وأهل البيت عند الرافضة. فإنهم محتاجون للتطهير بينما يدعي الرافضة انهم مولودون مطهرين أصلا.

ويناقض عقيدة الصوفية أبناء عمومة الرافضة، فلماذا يولد النبي محمد مختونا ويبقى سيدنا إبراهيم طيلة حياته غير مختون ثم هو يختتن في آخر حياته؟!!!

فقد روى البخاري ومسلم أن أبا هريرة رضى الله عنه قال: «قال رسول الله e: «اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم».

الشبهة والرد عليها

الشبهة:

تستدل الفرقة الضالة الرافضية وبعض الطرق الصوفية بحديث «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا» على أن النبي ﷺ و“الأئمة المعصومين” عندهم يولدون مطهرين مختونين، ويجعلون ذلك دليلًا على العصمة الفطرية والطهارة الكاملة التي يختصون بها دون غيرهم.

الرد العلمي:

1)  الحديث ضعيف جدًا بل متهم بالوضع؛ فالرواة في إسناده بين متّهم ومجهول، وقد قال الهيثمي: «فيه سفيان بن الفزاري وهو متهم به»، وقال ابن الجوزي: «ضعيف». ولا يوجد طريق صحيح يثبت ذلك.

2)  دعوى التواتر لا أصل لها؛ فقد رد الذهبي والعراقي كلام الحاكم، وقال الذهبي: «لا أعلم صحة ذلك فضلا عن تواتره».

3)  تناقض واضح مع الحديث الصحيح: حديث البخاري ومسلم يثبت أن إبراهيم عليه السلام اختتن وهو ابن ثمانين سنة، ولو كان الختان من علامات العصمة الفطرية لكان أولى أن يولد مختونًا.

4)  العصمة في عقيدة أهل السنة ليست جسدية، ولا تتعلق بالختان ولا بالطهارة الخَلقية، وإنما هي عصمة في التبليغ وعدم الإقرار على الخطأ الشرعي.

5)  الحديث – لو ثبت – لا يدل على عصمة غير النبي ﷺ، ولا ينسحب على أحد بعده، فكيف وهو أصلاً لم يثبت؟

إذن، الاستدلال العقدي بهذا الحديث باطل من أصله، لضعف الحديث، وبطلان الفكرة نفسها.