لقد أوردت بعض فرق الضلال، ومنهم الشيعة الإمامية، أحاديث مزعومة أو فسّرت أحاديث صحيحة بطريقة تحاول الطعن في رسول الله ﷺ، وتروّج لمغالطات حول تصرفات النبي ﷺ واجتهاداته في الأمور الدنيوية. والواقع أن هذا الطعن مردود عليهم، لأن السنة الصحيحة توضح أن النبي ﷺ، رغم أنه معصوم عن الخطأ في التشريع، كان يجوز له في الأمور الدنيوية والاجتهادية أن يكفر عن يمينه وفق نصوص الشريعة، كما أن الامام الماوردي، النووي، وغيرهم بيّنوا التفرقة بين الفعل على جهة الشرع والفعل على جهة الرأي والضرورة الدنيوية. هذا المقال يوضح تلك المسائل مع التفصيل والرد العلمي على مزاعم الرافضة، ويكشف التلاعب بالمراجع الإمامية نفسها لتشويه صورة النبي ﷺ.
في الصحيحين:
" 6718 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ، مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ» ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلاَثَةِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لاَ يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أن لاَ يَحْمِلَنَا فَحَمَلَنَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ - أن شَاءَ اللَّهُ - لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَقَالَ: " إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ - أَوْ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ - "
صحيح البخاري - بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الأَيْمَانِ - ج 8 ص 146، وصحيح مسلم - بَابُ نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، أن يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ - ج 3 ص 1268
يدعي الرافضة أن في هذا الحديث طعن بالنبي صلى الله عليه واله وسلم، وذلك لإنه نقض حلفه، فجعل بعضهم هذا طعنا به صلى الله عليه واله وسلم.
والجواب:
إن الكفارة لها نص شرعي في القران ولم يقل أحد من أهل العلم بأن الذي يتحلل من يمينه بالكفارة مطعون به، وذلك لان الممتثل للشرع لا يعد عاصيا، ولا يجوز القدح به، بل من إدعى خلاف ذلك فهو المطعون به، وذلك لإنه طاعن بشرع الله تعالى، فشرع الله تعالى لا يوجد فيه طعن بالعباد، وانما فيه اليسر، والسهولة على العباد، فإذا حلف العبد على شيء ثم رأى بعد ذلك التحلل من يمينه فقد شرع الله تعالى له الكفارة التي تحله من القيد الذي جعله على نفسه، ولا يلزم التحلل من اليمين أن يكون العبد قد اخطأ في يمينه، فهناك من الاشياء التي يتناسب الحلف عليها في وقتها، ثم بعد ذلك تحدث متغيرات، فيتعامل المسلم على حسب المتغيرات بما يناسب الاحداث ويبني افعاله على النصوص الشرعية، وبما أن النص الشرعي اجاز التحلل من اليمين بالكفارة، فالمتحلل من اليمين بما شرعه الله تعالى ممدوح قطعا، وقد ورد في كتب الإمامية أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد حلف على شيء ثم كفر عنه.
قال الصدوق:
" 4890 - وروى أحمد بن محمد أبي أبي نصر البزنطي، عن محمد بن سماعة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام فقال: لو كان لي عليه سلطان لأوجعت رأسه وقلت له: الله تعالى أحلها لك فمن حرمها عليك؟ إنه لم يزد على أن كذب فزعم أن ما أحل الله له حرام ولا يدخل عليه طلاق ولا كفارة، فقلت له فقول الله عز وجل: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " فجعل عليه فيه الكفارة فقال: إنما حرم عليه جاريته مارية وحلف أن لا يقربها، وإنما جعلت عليه الكفارة في الحلف ولم يجعل عليه في التحريم "
من لا يحضره الفقيه - الصدوق - ج 3 ص 549
وقال الكليني:
" عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فَجَعَلَهَا يَمِيناً وَ كَفَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) قُلْتُ بِمَا كَفَّرَ قَالَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ قُلْنَا فَمَا حَدُّ الْكِسْوَةِ قَالَ ثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ"
الكافي - الكليني - ج 7 ص 453، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول - حسن - ج 24 ص 337
وورد عند الإمامية أن عليا رضي الله عنه قد حلف ثم بعد ذلك نزلت آية كفارة اليمين.
قال المجلسي:
"وروى علي بن ابراهيم بسند صحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَحْرِمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عن أبي عبدالله عليه السّلام انّه قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السّلام، وبلال، وعثمان بن مظعون.
فأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام حلف أن لا ينام في الليل أبداً، وأما بلال حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأمّا عثمان بن مضعون فانّه حلف أن لا ينكح أبداً فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة: ما لي اراك متعطّلة؟ فقالت: ولمن أتزين؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فانّه قد ترهب، ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات؟ ألا انّي أنام بالليل، وأنكح، وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي.
فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فانزل الله: (لا يُؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان...) ثم بيّن كفارته"
عين الحياة - محمد باقر المجلسي - ج 1 ص 348
فهل يستطيع الإمامية أن يقولوا أن الذي نقله الكليني، والمجلسي فيه طعن برسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أم انهم سيضربون رواياتهم بعرض الحائط كالمعتاد؟ !!!.
ذكر الشبهة والرد عليها:
الشبهة: يدعي بعض الرافضة أن حديث النبي ﷺ في كفارة اليمين فيه طعن برسول الله ﷺ لأنه نقض حلفه، ويدعون أن هذا يظهر ضعف النبي أو خطأه.
الرد:
1) الشريعة نصت على كفارة اليمين في القرآن: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
2) نقض اليمين بالكفارة لا يعد خطأ، بل هو امتثال للنص الشرعي الميسر على العباد.
3) النبي ﷺ كان معصومًا عن الخطأ في التشريع، أما اجتهاده في الأمور الدنيوية والاجتهادية فله الكفارة المشرعة وفق القرآن.
4) روايات الإمامية نفسها تؤكد كفارة النبي ﷺ لليمين، كما في الكافي للكليني ومرآة العقول للمجلسي، ولم يروِ أحد من علماءهم أن هذا الطعن فيه.
5) الاحترام للشرع يقتضي عدم نسب الطعن للنبي ﷺ بناءً على امتثال النصوص الشرعية، وكل من يفعل ذلك يكون قد طعن بشرع الله قبل أن يطعن في الرسول ﷺ.