يُعدّ باب أسماء الله الحسنى من أشرف أبواب العقيدة، لما يتضمنه من معاني الكمال والجلال التي لا يجوز الميل عنها أو تحريفها، وقد نبَّه أهل السنة والجماعة على خطورة الانحراف في هذا الباب، لأن الانحراف فيه يُعد إلحادًا محرّمًا، بل قد يكون شركًا أو كفرًا بحسب نوعه ودلالته.

ويعرض بيانًا دقيقًا لمفهوم الإلحاد في أسماء الله كما قرّره الإمام ابن عثيمين رحمه الله في القواعد المثلى، مع توضيح أنواعه الأربعة المشهورة: التعطيل، والتشبيه، وتسمية الله بما لم يسمّ به نفسه، واشتقاق أسماء للأصنام من أسماء الله.

كما يبرز خطورة هذه الانحرافات، وكيف أدّت ببعض الفرق الضالّة -ومنها من زعمت الانتساب للإسلام وهي منه براء- إلى الوقوع في أبطل العقائد وأفحش الضلالات، مع تأكيد المنهج الحق الذي جاء به الوحي: إثبات الأسماء الحسنى على ما يليق بالله، بلا تحريف ولا تعطيل، وبلا تشبيه ولا تمثيل.

تعريف الإلحاد في أسماء الله تعالى:

يُعرَّف الإلحاد في أسماء الله تعالى بأنّه الانحرافُ والميلُ بهذه الأسماء عن الحقّ الذي يجب إثباته لها، سواء كان ذلك بإنكارها، أو تحريفها، أو تحميلها ما لا يدلّ عليه الشرع، أو إطلاقها على غير الله عزّ وجل. وقد بيّن العلماء أنّ الإلحاد في أسماء الله يتنوّع إلى صور متعددة، يجتمع جميعها في كونها خروجًا بالأسماء الحسنى عمّا يجب لها من التعظيم والإثبات، وهو ما جاء تفصيله فيما يلي:

أولًا: إنكار شيءٍ من أسماء الله أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام:

أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم. وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.

ثانيًا: جعل الأسماء الحسنى دالّة على صفات تُشابه صفات المخلوقين:

أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.

ثالثًا: تسمية الله بما لم يُسمِّ به نفسَه:

أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب) ، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة) ، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة، ينزه الله تعالى عنها.

رابعًا: اشتقاق أسماءٍ للأصنام من أسماء الله الحسنى:

أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وقوله: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحقة، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها.

حكم الإلحاد في أسماء الله:

جميع صور الإلحاد السابقة محرّمة شرعًا فالإلحاد بجميع أنواعه محرم، لأن الله تعالى هَدَّدَ الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ومنه ما يكون شركا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية وقد يصل بعض أنواع الإلحاد إلى الشرك الأكبر أو الكفر، بحسب نوع الانحراف وما يقتضيه الدليل الشرعي.

القواعد المثلى للإمام ابن عثيمين ص 25