حتى إذا بدا لله (شبهة حول البداء لله)
تُعَدّ شبهة «بدا لله» من أكثر الشبهات التي تستغلّها الفرقة الضالّة الرافضية للطعن في عقيدة أهل السنة والجماعة، والافتراء على النصوص الصحيحة، بزعم أن لفظ «البداء» الوارد في بعض الروايات يدلّ على ظهور أمرٍ لله بعد أن كان خافيًا عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال؛ لبيان حقيقة اللفظة روايةً ودرايةً، وفق منهج المحدثين، وبيان اتفاق العلماء على أن هذا الفهم باطل لا يجوز على الله تعالى بحال.
يعرض المقال التحقيق الكامل لسند الرواية، وبيان أن لفظ «بدا لله» وهمٌ من راوٍ محدّد، بينما اللفظ المحفوظ هو «أراد الله»، كما يوضّح وجوه التأويل الصحيحة التي ذكرها الأئمة كابن حجر وابن الأثير وغيرهم، وأن اللفظة –حتى على افتراض صحتها– لا تحمل أي معنى باطل، بل معناها: قضى الله، أو ابتدأ الله، أو أراد الله.
وبذلك يتبيّن زيف استدلالات الرافضة، وتظهر متانة منهج أهل الحديث في ردّ التحريف والتصحيف وتحقيق الألفاظ.
الرواية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا (البخاري4/171 رقم3464 مسلم2964).
ورواه البخاري تعليقا بدون لفظة (بدا لله). والتي هي من اوهام عبد الله بن رجاء، وهو صدوق يهم قليلا كما صرح الحافظ (تقريب التهذيب ص302 ترجمة3312).
وقد أعلن شراح الرواية أن لفظ البداء لا بأس به إذا كان بمعنى إظهار أمره كما قال الحافظ ابن حجر «أي سبق في علم الله فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا لأن ذلك محال في حق الله تعالى» (6/579).
على أن هذه اللفظة (بدا لله) جاءت من طريق همام ورواها عن همام ثلاثة هم:
◘ عمرو بن عاصم وعبد الله بن رجاء الغداني. فقد أخرجها البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم (3464) بلفظ واحد فيه لفظة (بدا لله أن يبتليهم).
◘ وكذلك رواها شيبان بن فروخ. أخرجها مسلم في كتاب الزهد والرقائق برقم (2964) بلفظ (فأراد الله أن يبتليهم).
وتبين بعد البحث أن البخاري ذكر الحديث معلقا من رواية عمرو بن عاصم بلفظ (أراد الله) وقد أخرج العقيلي في (الضعفاء4/369) من طريق عبد الله بن رجاء الغداني بلفظة (بدا لله).
وهكذا اتفق اثنان من تلاميذ همام هما عمرو بن عاصم وشيبان بن فروخ على رواية الحديث بلفظ (أراد الله). أما عبد الله بن رجاء فالراجح وقوعه في الوهم وروايته عن همام بلفظ (بدا لله).
والحديث مخرجه واحد فلا بد من الترجيح على طريقة أهل الحديث.
◘ فيكون الراجح لفظ (أراد الله) والذي اتفق عليه الاثنان. ويكون لفظ (بدا لله) من تصحيف عبد الله بن رجاء الغداني.
قال يحيى بن معين «كتير التصحيف». وقال عمرو بن علي «صدوق كثير الغلط والتصحيف» (تهذيب التهذيب5/184).
فتكون لفظة (أراد الله) المحفوظة.
وقيل بأن (بدا لله) أي: قضى الله. قال ابن الأثير عند مادة (بدا) «وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم) أي قضى بذلك، وهو معنى البداء ها هنا، لأن القضاء سابق. والبداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله عز وجل غير جائز» (النهاية1/271) ومال الحافظ إلى هذا الرأي فقال «وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم، وأما البدء الذي يراد به تغير الأمر عما كان عليه فلا» (الفتح (6/579).
وحمله الحافظ على معنى آخر محتمل وهو الابتداء لا سيما وأنه قد ورد ضبط هذا اللفظ بالابتداء.
قال الحافظ «وقال صاحب المطالع:
ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن يبتليهم.
قال: ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ» (فتح الباري6/579). وسبق إلى التخطئة أيضا الخطابي والسندي كما نقل الشيخ شعيب الأرنؤوط قال السندي «قوله: فإذا بدا لله. هكذا في النسخ (بدا) من البدو قيل: وهو خطأ..
والصواب بدأ لله، على أن بدأ بالهمزة والله فاعله، أي: شرع الله» في (تخريج الأرناؤوط على مسند أحمد32/424).