كيف يزوّر الشيعة أحاديث الصفات للطعن في عقيدة السلف؟
انتشرت في الأزمنة المتأخرة محاولات منظمة من قِبَل بعض الفرق الضالة، وعلى رأسها الشيعة، لترويج أحاديث مكذوبة أو منكرة تُنسب إلى السنة النبوية بهدف تشويه عقيدة أهل السنة والجماعة في باب صفات الله عز وجل. هذه الفرقة لا تمثل الإسلام، بل هي خارجة عن جماعة المسلمين، وتستعمل الروايات الموضوعة للطعن في منهج السلف والتشكيك في كتب العقيدة، خصوصًا ما يتعلق بصفة الاستواء والعلو والثبوت فوق العرش. في هذا المقال نستعرض حقيقة “روايات الجلوس” التي يستغلها الشيعة للطعن، ونكشف ضعفها سندًا ومتنًا، مع بيان موقف أهل السنة من الصفات الإلهية، وإثبات أن السلف لم يتعبدوا الله إلا بما ثبت في الكتاب والسنة دون زيادة ولا تحريف.
الشبهة والرد عليها:
الشبهة:
يزعم الشيعة أن أهل السنة يثبتون لله صفة الجلوس اعتمادًا على روايات منسوبة إلى وكيع أو أبي إسحاق أو غيرهما، ويستغلون روايات ضعيفة لإلصاق عقيدة التجسيم بأهل السنة.
الرد العلمي المفصل:
كل روايات “جلوس الرب على الكرسي” ضعيفة لا يصح منها شيء؛ وقد صرّح الإمام الألباني رحمه الله بقوله: «لم يصح في الجلوس حديث واحد».
العلماء الذين ذكروا تلك الروايات لم يوردوها لإثبات الصفة، وإنما لبيان موقف السلف من قبول النصوص الإلهية دون استنكار أو تحريف.
شُرَّاح كتاب التوحيد الذين أوردوا هذه الروايات إنما فعلوا ذلك لبيان احترام السلف لنصوص الصفات، لا لإثبات الجلوس.
المشكلة أن الشيعة يعتمدون على انتزاع مقاطع مبتورة من كتب السنة، في الوقت الذي يحتجون فيه برواة نفسهم في أحاديث أخرى توافق هواهم—مثل احتجاجهم بأبي إسحاق السبيعي.
أهل السنة لا يثبتون إلا ما ثبت بنص صحيح صريح، وصفة الجلوس لم يثبتها أحد من أئمة السنة المعتبرين.
أما ما ثبت عند السلف فهو ما تواتر من معنى الاستواء: العلو، الارتفاع، والاعتلاء كما قال مجاهد، والطبري، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن تيمية وغيرهم.
أما روايات الجلوس فهي إما:
روايات ضعيفة جدًا (مثل روايات خارجة بن مصعب – المتروك)، أو أقوال نساء غير مسلمات.
أو روايات مصحوبة بألفاظ مدلسة يستغلها أهل البدع لإسقاط عقيدة السلف.
لهذا فإن ما يشيعه الشيعة حول إثبات أهل السنة للجلوس كذب محض وتدليس يهدف لإسقاط عقيدة العلو الثابتة بالكتاب والسنة.
قال الذهبي:
«حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: إذا جلس الرب على الكرسي فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها». أخرجه عبد الله بن أحمد في (كتاب الرد على الجهمية) والرواية ضعيفة. ضعفها الألباني (سلسلة الضعيفة 3/647).
بل قال الألباني: «لم يصلح في الجلوس حديث».
ولكن أوردها بعض أهل العلم ليس لإثبات أن الله يجلس وإنما في سياق إثبات ما وصف الله به نفسه من غير خوض فيه وعدم استنكار ذلك.
قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:
«وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به، فتشبه حالهم حال من قال الله فيهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. فلا يسلم من الكفر إلا من عمل بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين» (فتح المجيد 2/260 قرة عيون الموحدين 1/378). وهكذا سائر من اوردها من شراح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وتجدر الإشارة إلى هذه الكتب لم تتطرق إلى تفصيل الاعتقاد حول الصفات. وكل ما تركز عليها شروح كتاب التوحيد حول مسائل الاستغاثة بغير الله والتحذير من الشرك.
وإنما كانت تتطرق من حيث الإجمال إلى ضرورة قبول ما وصف الله به نفسه من الصفات من غير استنكار لها ولا خوض فيها.
ومن هنا استدلوا بهذه الرواية لبيان موقف السلف من الصفات لا على سبيل إثبات الجلوس لله تعالى.
فإن أبى المبطلون كالأحباش إلا لتدليس فنقول لهم: قد روى روايات الجلوس أبو إسحاق السبيعي الذي يحتجون به في روايته خدر رجل ابن عمر لإثبات جواز الاستغاثة بغير الله «إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد» (رواه عبد الله بن أحمد في السنة1/301 حديث رقم (585). وليكن هذا تشنيعا في حق أحمد بن حنبل فيما يحكيه عنه ابنه.
وحينئذ توقفوا عن الاستدلال بما ينقله (زعمتم) عن أبيه في كتاب العلل حول جواز التوسل بالنبي بعد موته. سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال لا بأس بذلك» (العلل ومعرفة الرجال2/492).
وإلا لزمكم التناقض واتباع الهوى. وبالمناسبة فإن الضمير هنا متشابه استغله أهل الزيغ وجعلوه عائدا على عبد الله يسأل به أباه أحمد. والظاهر أنه سؤال موجه إلى صالح بن مسلم.
فإن كان هذا التشنيع سائغا عندكم في حق هذه الكتب فليكن سائغا في السبيعي وتوقفوا حينئذ عن الاحتجاج بروايته في خدر رجل ابن عمر. وإلا لزمكم التناقض.
وهم حين يتكلمون عن الصفات فإنهم لا يثبتون الجلوس وإنما يثبتون ما ثبت عن مجاهد وأبي العالية من تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع كما ورد في (معارج القبول للحافظ الحكمي (1/189) «عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه ضرب رأس قرابة له كان يرى رأي جهم وكان يضرب بالنعل على رأسه ويقول لا حتى تقول الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه“.
قال البخاري في صحيحه «قال مجاهد:
(استوى) علا على العرش. وقال إسحاق بن راهويه سمعت غير واحد من المفسرين يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي ارتفع».
وقال محمد بن جرير الطبري في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي علا وارتفع.
وشواهده في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم فمن ذلك قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه.
شَهدْت بأنَّ وعد اللهِ حق =وأن مثوى النار الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طَاف=وفوق العَرش رب العَالمينا
وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناده إلى علي بن الحسين بن شقيق قال: «سمعت عبد الله بن المبارك يقول نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على العرش استوى بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية قال الدارمي حدثنا حسن بن الصباح البزار حدثنا علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه. وقد تقدم قول الأوزاعي كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره بائن من خلقه ونؤمن بما وردت به السنة) (تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب 1/675).
وهكذا تراه احتج بقول مجاهد في إثبات الارتفاع والاعتلاء ولم يأت برواية إذا جلس الرب.
فبعدا وسحقا لمن كان ديدنه التدليس والتلبيس والخيانة العلمية في بتر النصوص.
وقد نقل ابن القيم رحمه الله عن خارجة بن معصب الضبعي أنه قال «وهل يكون الاستواء إلا الجلوس» (الصواعق المرسلة 4/1303). من الوسطى من أتباع التابعين (توفي سنة168 هـ). وقد روى له الترمذي وابن ماجه، ورتبته عند ابن حجر «متروك» وعند الذهبي «واه». وكان يدلس عن الكذابين. ويقال إن ابن معين كذبه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد «نهاني أبي أن أكتب حديثه».
وورد عند ابن خزيمة رواية عن حدثناه سلم بن جنادة قال ثنا وكيع قال ابن خزيمة وثنا بشر بن خالد العسكري قال ثنا أبو أسامة قال ثنا زكريا ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن سعد بن معبد أسماء بنت عميس قالت: «كنت مع جعفر بأرض الحبشة فرأيت امرأة على رأسها مكتل من دقيق فمرت برجل من الحبشة فطرحه عن رأسها فسفت الريح الدقيق فقالت: أكلك إلى الملك يوم يقعد على الكرسي ويأخذ للمظلوم من الظالم» (التوحيد لابن خزيمة1/247).
فهذا لا حجة فيه فإنها قصة عن امرأة ليست من المسلمين نسبها البعض خطأ إلى جعفر رضي الله عنه.